ابن قتيبة الدينوري
208
تأويل مشكل القرآن
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ أي : ليكذّب بيوم القيامة وهو أمامه ، فهو يسأل أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ [ القيامة : 6 ] أي متى يكون ؟ . في والصافات وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) [ الصافات : 27 ، 28 ] . يقول هذا المشركون يوم القيامة لقرنائهم من الشياطين : إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا ، لأن إبليس قال : لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [ الأعراف : 17 ] فشياطينهم تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات بمعنى من الكيد والإضلال . وقال المفسرون : فمن أتاه الشيطان من جهة اليمين : أتاه من قبل الدّين فلبّس عليه الحق . ومن أتاه من جهة الشمال : أتاه من قبل الشّهوات . ومن أتاه من بين يديه : أتاه من قبل التّكذيب بيوم القيامة والثواب والعقاب . ومن أتاه من خلفه : خوّفه الفقر على نفسه وعلى من يخلّف بعده ، فلم يصل رحما ، ولم يؤدّ زكاة . فقال المشركون لقرنائهم : إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة الدّين ، فتشبّهون علينا فيه حتى أضللتمونا . فقال لهم قرناؤهم : بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الصافات : 29 ] أي : لم تكونوا على حق فنشبّهه عليكم ونزيلكم عنه إلى باطل . وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ [ الصافات : 30 ] ، أي : قدرة فنقهركم ونجبركم بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ( 31 ) [ الصافات : 30 ، 31 ] نحن وأنتم العذاب فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( 32 ) [ الصافات : 32 ] يعني بالدعاء والوسوسة . ومثل هذا قوله سبحانه : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : 22 ] . في سورة ص أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ( 11 ) [ ص : 9 ، 11 ] . أخبر اللّه ، سبحانه ، عن عنادهم وتكبّرهم وتمسّكهم بآلهتهم في أول السورة ،