ابن قتيبة الدينوري
207
تأويل مشكل القرآن
ونؤلّف بينها حتى يستوي البنان . ومن قدر على هذا فهو على جمع كبار العظام أقدر . ومثل هذا رجل قلت له : أتراك تقدر على أن تؤلّف هذا الحنظل في خيط ؟ فيقول لك : نعم وبين الخردل . وأما قوله سبحانه : بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ فقد كثرت فيه التفاسير : فقال سعيد بن جبير يقول : سوف أتوب ، سوف أتوب . وقال الكلبي : يكثر الذنوب ، ويؤخّر التوبة . وقال آخرون : يتمنّى الخطيئة . وفيه قول آخر : على طريق الإمكان - إن كان اللّه تعالى أراده - وهو : أن يكون الفجور بمعنى : التكذيب بيوم القيامة ، ومن كذّب بحق فقد فجر . وأصل الفجور : الميل ، فقيل للكاذب والمكذّب والفاسق : فاجر ؛ لأنه مال عن الحق . وقال بعض الأعراب لعمر بن الخطاب رحمه اللّه - وكان أتاه فشكى إليه نقب إبله ودبرها واستحمله فلم يحمله - « 1 » : أقسم باللّه أبو حفص عمر * ما مسّها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهمّ إن كان فجر أي : كذب . وهذا وجه حسن ؛ لأن الفجور اعتراض بين كلامين من أسباب يوم القيامة ، أولهما : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ؟ والآخر : يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ؟ فكأنه قال : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه في الآخرة ؟ بلى نقدر على أن نجمع ما صغر منها ونؤلف بينه .
--> ( 1 ) الرجز لرؤبة في شرح المفصل 3 / 71 ، وليس في ديوانه ، ولا يمكن أن يكون رؤبة هو الذي قاله لعمر بن الخطاب ، ذلك أنه توفي سنة 145 ه ، ولم يعتبره أحد من التابعين فضلا عن المخضرمين ، وهو لعبد اللّه بن كيسبة أو لأعرابي في خزانة الأدب 5 / 154 ، 156 ، والأعرابي في شرح التصريح 1 / 121 ، والمقاصد النحوية 4 / 115 ، ولسان العرب ( نقب ) ، ( فجر ) ، وتاج العروس ( نقب ) ، ( فجر ) ، وتهذيب اللغة 11 / 50 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 1 / 128 ، وشرح الأشموني 1 / 59 ، وشرح شذور الذهب ص 561 ، وشرح ابن عقيل ص 489 ، ومعاهد التنصيص 1 / 279 ، وأساس البلاغة ( نقب ) ، وديوان الأدب 2 / 111 ، وكتاب العين 8 / 307 .