ابن قتيبة الدينوري

206

تأويل مشكل القرآن

ودسّاها : من دسّست ، فقلبت إحدى السّينات ياء ، كما يقال : لبّبت ، والأصل لبّيت ، و : قصّيت أظفاري ، وأصله قصصت . ومثله كثير . فكأنّ النّطف « 1 » بارتكاب الفواحش دسّ نفسه وقمعها ، ومصطنع المعروف شهر نفسه ورفعها . وكانت أجواد العرب تنزل الرّبا وأيفاع « 2 » الأرض ، لتشتهر أماكنها للمعتفين ، وتوقد النّيران في الليل للطّارقين . وكانت اللئام تنزل الأولاج « 3 » والأطراف والأهضام « 4 » : لتخفى أماكنها على الطّالبين . فأولئك أعلوا أنفسهم وزكّوها ، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها ، قال الشاعر « 5 » : وبوّأت بيتك في معلم * رحيب المباءة والمسرح كفيت العفاة طلاب القرى * ونبح الكلاب لمستنبح ترى دعس آثار تلك المطيّ * أخاديد كاللّقم الأفيح ولو كنت في نفق زائغ * لكنت على الشّرك الأوضح ومثل هذا كثير . في لا أقسم بيوم القيامة أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ( 3 ) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ( 4 ) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ( 5 ) [ القيامة : 3 ، 5 ] . هذا ردّ من اللّه عليهم ، وذلك أنهم ظنوا أن اللّه لا ينشر الموتى ، ولا يقدر على جمع العظام البالية ، فقال : بلى ، فاعلموا أنّا نقدر على رد السّلاميات « 6 » على صغرها ،

--> ( 1 ) النّطف : المتهم . ( 2 ) اليفاع : المشرف من الأرض . ( 3 ) الأولاج : جمع ولجة ، بالتحريك ، وهي موضع أو كهف يستتر فيه المارة من مطر أو غيره . ( 4 ) الأهضام : جمع هضم ، وهو ما تطامن الأرض . ( 5 ) الأبيات من المتقارب ، وهي في كتاب الحيوان 1 / 381 - 382 ، 5 / 134 - 135 ، والبيت الأول بلا نسبة في تاج العروس ( بوأ ) ، والمعاني الكبير ص 409 ، والبيت الثاني بلا نسبة في تاج العروس ( بوأ ) . ( 6 ) السلاميات : جمع سلامي ، وهي عظام صغار على طول الإصبع أو قريب منها ، في كل يد ورجل أربع سلاميات أو ثلاث .