ابن قتيبة الدينوري

160

تأويل مشكل القرآن

باب الكناية والتّعريض الكناية أنواع ، ولها مواضع : فمنها أن تكنى عن اسم الرجل بالأبوّة ، لتزيد في الدّلالة عليه إذا أنت راسلته أو كتبت إليه ، إذ كانت الأسماء قد تتّفق . أو لتعظّمه في المخاطبة بالكنية ، لأنها تدلّ على الحنكة وتخبر عن الاكتهال . وقد ذهب هؤلاء إلى أنّ الكنية كذب ما لم يكن الولد مسمّى بالاسم الذي كني به عن الأب ، وتقع للرجل بعد الولادة . وقالوا : إن كانت الكناية للتعظيم فما باله كنى أبا لهب وهو عدوّه ، وسمّي محمدا ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو وليّه ونبيّه . والجواب عن هذا : أن العرب كانت ربّما جعلت اسم الرجل كنيته ، فكانت الكنية هي الاسم . قال أبو محمد : خبّرني غير واحد عن الأصمعي : أن أبا عمرو بن العلاء ، وأبا سفيان بن العلاء أسماؤها كناهما . وربما كان للرجل الاسم والكنية ، فغلبت الكنية على الاسم ، فلم يعرف إلا بها ، كأبي سفيان ، وأبي طالب ، وأبي ذرّ ، وأبي هريرة . ولذلك كانوا يكتبون : علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان ، لأن الكنية بكمالها صارت اسما ، وحظّ كلّ حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجرّه حرف من الأدوات أو الأفعال . فكأنه حين كنّي قيل : أبو طالب ، ثم ترك ذلك كهيئته ، وجعل الاسمان واحدا . وقد روي في الحديث أن اسم أبي لهب عبد العزّى ، فإن كان هذا صحيحا فكيف يذكره رسول اللّه بهذا الاسم ، وفيه معنى الشرك والكذب ، لأن الناس جميعا عبيد اللّه ؟ . وقال المفسرون في قول اللّه عزّ وجل : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ