ابن قتيبة الدينوري
161
تأويل مشكل القرآن
وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) [ الأعراف : 189 ] - : إن حوّاء لما أثقلت أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما هذا الذي في بطنك ؟ وذلك أول حملها ، فقالت : ما أدري ، فقال لها : أرأيت إن دعوت ربي فولدته إنسانا أتسمّينه بي ؟ فقالت : نعم . وقالت هي وآدم : لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي : لئن خلقته بشرا مثلنا ولم تجعله بهيمة . فلما ولدته أتاها إبليس ليسألها الوفاء ، فقالت : ما اسمك ؟ قال : الحارث ، فتسمى بغير اسمه ، ولو تسمى باسمه لعرفته ، فسمته عبد الحارث ، فعاش أياما ثم مات ، فقال اللّه تعالى : فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [ الأعراف : 190 ] ، وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية والعقد ، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء ، ثم ذكر من أشرك به بالعقد والنّية من ذرّيتهما ، فقال : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الأعراف : 190 ] ولو كان أراد آدم وحواء لقال : عما يشركان . فهذا يدلّك على العموم . وإن كان اسم أبي لهب كنيته فإنما ذكره بما لا يعرف إلا به ، والاسم والكنية علمان يميّزان بين الأعيان والأشخاص ، ولا يقعان لعلة في المسمى كما تقع الأوصاف ، فبأيّ شيء عرف الرجل ، جاز أن تذكره به غير أن تكذب في ذلك . ولو كان من دعا أبا القاسم بأبي القاسم ولا قاسم له ، كان كاذبا - لكان من دعا المسمى بكلب وقرد وغراب وذباب - كاذبا ، لأنه ليس كما ذكر . وقد طعنت الشّعوبية على العرب بأمثال هذه الأسماء ، ونسبوهم إلى سوء الاختيار ، وجهلوا معانيهم فيها . وكان القوم يتفاءلون ويتطيّرون ، فمن تسمى منهم بالأسماء الحسنى أراد أن يكثر له الفأل بالحسن ، ومن تسمّى بقبيح الأسماء أراد صرف الشرّ عن نفسه . وذلك أن العرب كانت إذا خرجت للمغار قالوا : إلى من تقصد ؟ فتطيروا من كلب وجعل وقرد ونمر وأسد ، وقالوا : ميلوا بنا إلى بني سعد وإلى غنم وما أشبه ذلك . ومن الكناية قول اللّه عزّ وجل : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) [ الفرقان : 28 ] . ذهب هؤلاء وفريق من المتسمّين بالمسلمين إلى أنه رجل بعينه . وقالوا : لم كنى عنه ؟ وإنما يكنى هذه الكناية من يخاف المباداة ، ويحتاج إلى المداجاة .