ابن قتيبة الدينوري

15

تأويل مشكل القرآن

نعش ، فالشمس تزورّ عنه وتستدبره : طالعة ، وجارية ، وغاربة . ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتلفحهم بسمومها ، وتغيّر ألوانهم ، وتبلي ثيابهم . وأنهم كانوا في فجوة من الكهف - أي متّسع منه - ينالهم فيه نسيم الريح وبردها ، وينفي عنهم غمّة الغار وكربه . وليس جهلهم بما في هذه الآية من لطيف المعنى ، بأعجب من هذا جهلهم بمعنى قوله : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [ الحج : 45 ] حتى أبدءوا في التعجّب منه وأعادوا ، حتى ضربه بعض المجّان لبارد شعره مثلا . وهل شيء أبلغ في العبرة والعظة من هذه الآية ؟ لأنه أراد : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها ، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم اللّه بالعتوّ ، وأبادهم بالمعصية ، فيروا من تلك الآثار بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها ، وبئرا كانت لشرب أهلها قد عطّل رشاؤها ، وغار معينها ، وقصرا بناه ملكه بالشّيد « 1 » قد خلا من السّكن ، وتداعى بالخراب ، فيتعظوا بذلك ، ويخافوا من عقوبة اللّه وبأسه ، مثل الذي نزل بهم . ونحوه قوله : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ الأحقاف : 25 ] : ولم يزل الصالحون يعتبرون بمثل هذا ، ويذكرونه في خطبهم ومقاماتهم : فكان سليمان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، إذا مرّ بخراب قال : يا خرب الخربين أين أهلك الأوّلون ؟ . وقال : أبو بكر رضي اللّه عنه ، في بعض خطبه : أين بانو المدائن ومحصّنوها بالحوائط ؟ أين مشيّد والقصور ، وعامروها ؟ أين جاعلو العجب فيها لمن بعدهم ؟ تلك منازلهم خالية ، وهذه منازلهم في القبور خاوية ، هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟ . وهذا الأسود بن يعفر يقول « 2 » :

--> ( 1 ) الشّيد ، بالكسر : كل ما طلي به الحائط من جص وبلاط . ( 2 ) الأبيات من الكامل ، وهي للأسود بن يعفر في ديوانه ص 26 - 27 ، والبيت الأول في لسان العرب ( برق ) ، ( حرق ) ، وتاج العروس ( سند ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 968 ، ومعجم البلدان ( أنقرة ) ، والبيت الثاني في لسان العرب ( كعب ) ، ( برق ) ، وكتاب العين 1 / 207 ، وتهذيب اللغة 1 / 325 ، وتاج العروس ( كعب ) ، ( سند ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 969 ، والشعر والشعراء ص 261 ، والبيت الثالث في لسان العرب ( نقر ) ، وتاج العروس ( نقر ) ، وشرح اختيارات المفضل ص 970 ، والحماسة البصرية 2 / 412 ، والبيت الرابع في لسان العرب ( موم ) ، وتاج العروس ( موم ) .