ابن قتيبة الدينوري
14
تأويل مشكل القرآن
ثم قال : فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء : 146 ] ولم يقل : فأولئك هم المؤمنون . ثم قال : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 146 ] ولم يقل وسوف يؤتيهم اللّه ، بغضا لهم ، وإعراضا عنهم ، وحيدا بالكلام عن ذكرهم . وقوله في المنافقين : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] فدلّ على جبنهم ، واستشرافهم لكل ناعر ، ومرهج على الإسلام وأهله . وأخذه الشاعر - وأنّى له هذا الاختصار - فقال « 1 » : ولو أنّها عصفورة لحسبتها * مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما يقول : لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين . وقال الآخر « 2 » : ما زلت تحسب كل شيء بعدهم * خيلا تكرّ عليكم ورجالا وهذا في القرآن أكثر من أن نستقصيه . وقد قال قوم بقصور العلم وسوء النظر في قوله تعالى : وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [ الكهف : 17 ] : وما في هذا الكلام من الفائدة ؟ . وما في الشمس إذا مالت بالغداة والعشيّ عن الكهف من الخبر ؟ . ونحن نقول : وأيّ شيء أولى بأن يكون فائدة من هذا الخبر ؟ وأيّ معنى ألطف مما أودع اللّه هذا الكلام ؟ . وإنما أراد عزّ وجل : أن يعرّفنا لطفه للفتية ، وحفظه إياهم في المهجع ، واختياره لهم أصلح المواضع للرّقود ، فأعلمنا أنه بوّأهم كهفا في مقنأة الجبل « 3 » ، مستقبلا بنات
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لجرير في ديوانه ص 323 ، وشرح شواهد المغني 2 / 662 ، وله أو للبعيث في حماسة البحتري ص 261 ، وللعوام بن شوذب الشيباني في العقد الفريد 5 / 195 ، ولسان العرب ( زنم ) ، والمعاني الكبير ص 927 ، ومعجم الشعراء ص 300 ، والمقاصد النحوية 4 / 467 ، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص 73 ، وجمهرة اللغة ص 828 ، والجنى الداني ص 281 ، وشرح الأشموني 3 / 603 ، ومغني اللبيب 1 / 270 . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو لجرير في ديوانه ص 53 ، وشرح شواهد الشافعية ص 125 ، والعقد الفريد 3 / 132 ، وكتاب الحيوان 5 / 240 . ( 3 ) مقنأة الجبل : الموضع الذي لا تصيبه الشمس .