ابن قتيبة الدينوري
13
تأويل مشكل القرآن
بأرعن مثل الطّود تحسب أنهم * وقوف لحاج والرّكاب تهملج وفي قوله جلّ ذكره : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] يريد أن سافك الدّم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل ، فكان في القصاص له حياة وهو قتل . وأخذه الشاعر فقال « 1 » : أبلغ أبا مالك عنّي مغلغلة * وفي العتاب حياة بين أقوام يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب فكفّوا عن القتل ، فكان في ذلك حياة . وأخذه المتمثّلون فقالوا : « بعض القتل إحياء للجميع » « 2 » . وقالوا : « القتل أقلّ للقتل » « 3 » . وتبيّن قوله في وصف خمر أهل الجنة : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) [ الواقعة : 19 ] كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر ، وجمع بقوله : ( ولا ينزفون ) عدم العقل ، وذهاب المال ، ونفاد الشراب . وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) [ يونس : 42 ، 43 ] كيف دلّ على فضل السّمع على البصر ، حين جعل مع الصمم فقدان العقل ، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر . وقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [ النساء : 145 ، 146 ] فدلّ على أن المنافقين شرّ من كفر به ، وأولاهم بمقته ، وأبعدهم من الإنابة إليه ، لأنه شرط عليهم في التوبة : الإصلاح والاعتصام ، ولم يشرط ذلك على غيرهم . ثم شرط الإخلاص ، لأن النّفاق ذنب القلب ، والإخلاص توبة القلب .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لهمام الرقاشي في مقاييس اللغة 4 / 377 ، والبيان والتبيين 2 / 316 ، 3 / 202 ، 4 / 85 ، والخزانة 3 / 345 ، ولعصام بن عبيد الزماني في تاج العروس ( غلل ) ، ولأبي القمقام الأسدي في عيون الأخبار 1 / 91 ، ولهشام الرقاشي في العقد الفريد 1 / 80 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( غلل ) . ( 2 ) انظر البيان والتبيين 2 / 316 ، وفيه بلفظ : وقال بعض الحكماء : قتل البعض إحياء للجميع . ( 3 ) انظر كتاب الصناعتين ، وفيه بلفظ : القتل أنفى للقتل .