عبد الله بن عباس
17
غريب القرآن في شعر العرب
المدينة ، فكنا إذا نزلنا منزلا قام شطر الليل والناس نيام ، ولقد رأيته ذات ليلة يقرأ : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ « 10 » . فظل يكررها وينشج حتى طلع عليه الفجر . أما بالنسبة لذكاء ابن عباس فحدّث ولا حرج . روى الأصبهاني في الأغاني قال : بينا ابن عباس في المسجد الحرام ، وعنده نافع بن الأزرق « 11 » ، وناس من
--> ( 10 ) سورة ق ، الآية : 19 . ( 11 ) نافع بن الأزرق : بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري ، أبو راشد ، رأس الأزارقة وإليه نسبتهم كان أمير قومه وفقيههم ، من أهل البصرة ، صحب في أول أمره عبد اللّه بن عباس ، قال الذهبي له أسئلة في جزء ، أخرج الطبراني بعضها في مسند ابن عباس من المعجم الكبير . وأورد السيوطي بعضها في الإتقان - وقد جئنا بجميع هذه الأسئلة في كتابنا الذي بين يديك - وكان نافع وأصحاب له من أنصار الثورة على الخليفة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، ووالوا عليا كرم اللّه وجهه . إلى أن كانت قضية التحكيم بين الإمام علي رضي اللّه عنه ومعاوية بن أبي سفيان ، فاجتمعوا في حروراء - وهي قرية من ضواحي الكوفة - ونادوا بالخروج على الإمام علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وعرفوا لذلك ، هم ومن تبع رأيهم بالخوارج . وكان نافع بن الأزرق يذهب إلى سوق الأهواز ويعترض الناس بما يحيّر العقل - كما يقول الذهبي - ولما ولي عبيد اللّه بن زياد إمارة البصرة سنة ( 55 ) ه في عهد معاوية اشتد على ( الحروريين ) وقتل سنة ( 61 ) ه زعيمهم أبا بلال مرداس بن حدير ، وعلموا بثورة عبد اللّه بن الزبير على الأمويين بمكة ، فتوجهوا إليه مع نافع ، وقاتلوا عسكر الشام في جيش ابن الزبير إلى أن مات يزيد بن معاوية سنة ( 64 ) ه وانصرف الشاميون ، وبويع ابن الزبير للخلافة ، وأراد نافع وأصحابه أن يعملوا رأي ابن الزبير في عثمان فقال لهم : قد فهمت الذي ذكرت به عثمان . وإني لا أعلم مكان أحد من خلق اللّه اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني كنت معه حيث نقم عليه ، واستعتبوه فلم يدع شيئا إلا أعتبهم ، ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم . فقال لهم : ما كتبته . فإن شئتم فهاتوا بيّنتكم ، فإن لم تكن حلفت لكم ؛ فو اللّه ما جاءوا ببينة ولا استحلفوه . ووثبوا عليه فقتلوه ، وقد سمعت ما عبته به ، فليس كذلك ، بل هو لكم خير أهل ، وأنا أشهدكم ومن حضرني أني ولي عثمان بن عفان وعدوّ لأعدائه ، ولم يرض هذا نافعا وأصحابه ، فانفضوا من حوله ، وعاد نافع ببعضهم إلى البصرة ، فتذاكروا فضيلة الجهاد - كما يقول ابن الأثير - وخرج بثلاثمائة وافقوه على الخروج ، وتخلف عبد اللّه بن إباض وآخرون فتبرأوا منهم ، وكان نافع جبارا فتاكا ، قاتله المهلب بن أبي صفرة ولقي الأهوال في حربه . وقتل نافع يوم دولاب على مقربة من الأهواز سنة ( 65 ) ه الموافق ( 685 ) م . ( انظر : الكامل للمبرد : 2 / 172 - 181 . ورغبة الآمل : 7 / 103 - 156 و 220 و 229 و 236 .