الشيخ محمد آصف المحسني
53
بحوث في علم الرجال
وقيل : إنّ النجّاشي يعتمد في توثيق شخص أو تضعيفه على مشايخه ، كما يظهر من كتابه في خلال تراجمه كابن الغضائري ، والكشي ، وابن عقدة وابن نوح ، وابن بابويه وأبي المفضل وغيرهم ، وكذلك عن كتب جمّة ، وقد أحصيناها فبلغت أكثر من عشرين كتابا ، كرجال أبي العبّاس ، وابن فضّال والعقيقي ، والطبقات لسعد بن عبد اللّه ، والفهرست لأبي عبد اللّه الحسين بن الحسن بن بابويه ، ومحمّد بن زياد ، ولا بن النديم ، ولا بن بطّة ، ولا بن الوليد ، ولغيرهم . « 1 » ثمّ إنّك عرفت أنّ بناء العقلاء إنّما هو على اعتبار الإخبار الحسيّ أو الحدسي المدلول عليه بالآثار الظّاهرة الواضحة القطعية الحسيّة ، وشيء منهما غير حاصل في المقام فإنّ الصدق وآثاره الحسيّة ، وكذا آثار العدالة الحسيّة غير قريبة من إحساس هؤلاء الأعاظم ، لما بين الرّاوي والمخبر من الفصل البعيد الزماني ؛ ولذا يختلف آراء الرجاليّين في حقّ جملة من الرّواة . وقد مرّ أنّ جملة كثيرة من تلك الأمارات مزيفة باطلة ، وهذا فليكن واضحا ، ولذا لا بدّ من معرفة الوسائط ووثاقتهم . وقد رأيت في ما قيل من مدارك النجّاشي أنّ بعضهم مجهول ، كالعقيقي وابن النديم مثلا ، وأمّا استناد السّيد الأستاذ قدّس سرّه إلى أصالة الحسّ ، فيما يدور الإخبار بينه وبين الحدس في كلّ توثيق ، فهو صحيح ، لكنّها أجنبيّة عن المقام ، فإنّها تثبت حسّية الإخبار لا وثاقة المخبر . فإذا علمنا ولو تعبدا وثاقة نقلة التّوثيق وشككنا في صدور التّوثيقات عن حسّ أو حدس فالإصالة المذكورة تنفعنا كما في المسندات . وأمّا إذا جهل وثاقة النقلة المحذوفة أسمائها ، كما في المقام أو ذكرت أسماءهم ، فلا أصل يثبت وثاقتهم إلّا بناء على أصالة العدالة ، أو أصالة الأمانة القوليّة في كلّ مسلم ، أو مؤمن ولا نقول بها . لا يقال : النقلة الوسائط بين الموثّق والموثّق إن كانوا ثقات ، فقد ثبت المطلوب وإن كانوا مجهولين أو ضعفاء ، فاعتماد الموثق عليه يرجع إلى إعمال نوع من الحدس ، والأصل المذكور يدفعه ، فأصالة البناء على الحسّ تنفعنا في المقام . قلت أصالة البناء المذكورة لم تثبت ببرهان عقلي ولا بدليل لفظي من آية أو رواية ، حتّى يتمسك بها في كلّ مورد ، بل هي دليل لبّي غير ثابت في المقام ، فارجع إلى العقلاء ، فانظر إلى بنائهم فهل يثبتون وثاقة مئات من المجهولين والمحتملون كذبا بهذا الأصل ، وبهذا
--> ( 1 ) . أصول علم الرجال : 26 .