الشيخ محمد آصف المحسني

54

بحوث في علم الرجال

البيان ؟ ولا أقلّ من الشّك في مثل هذا البناء ، واللبّي يؤخذ بالقدر المسلّم والمتيقّن ، على أنّه منقوض بالرّوايات المرسلة ، إذ لا قائل باعتبارها مطلقا وبلا استثناء ، مع أنّ البيان المذكور جار فيها حرفا بحرف . وهنا طريق آخر ذكره بعض الأعلام السّادة من المعاصرين حين المذاكرة معه في الحضرة العلويّة « 1 » ، وهو : إنّ احتمال التواتر في الرّوايات المرسلة غير متحقّق ؛ إذ طريق المصنفين إلى أرباب الكتب أو الأصول أو الرّواة معلومة معينة محدودة غالبا « 2 » ، فلا تكون المرسلات حجّة . وهذا بخلاف التّوثيقات الصادرة من علماء الرجال للرواة ، فإنّ احتمال وصول وثاقة الرّواة إلى الشّيخ والنجّاشي وأمثالهما بنحو التواتر ، بلا مانع . وعليه فنقول : الظاهر هو البناء على التواتر ، لما ثبت عند العقلاء أنّه لو دار الأمر بين كون خبر المخبر عن حسّه أو حدسه ، يبنى على أنّه عن الحسّ ، وفي المقام إذا قلنا بالتواتر المزبور يكون التّوثيق حسيّا ، بخلاف ما إذا أنكرنا التواتر فإنّ الشّيخ مثلا قبل توثيقه لأحد لا بدّ له من تطبيق صدق العادل على جميع نقلة هذا التّوثيق ، وهذا التطبيق - أي : تطبيق الكبرى على المفيد وغيره من نقلة الثقات - حدسي ليس بحسّي . أقول : هذا كلامه وكان يصّر عليه ، ولكن يفسده أمور : أوّلا : إنّ لازمه حجيّة التّوثيق المرسل دون المسند بذكر الرّواة الثّقات بتقريب أنّ الوثاقة حينئذ حدسيّة ناشئة من تطبيق صدق العادل على النقلة ، وهو كما ترى . وثانيا : عدم احتمال التواتر في جميع التّوثيقات كما يظهر من التّوثيقات المسندة في كلام النجّاشي والكشّي وغيرهما ، بل لم أجد موردا ثبتت الوثاقة بالتواتر المصطلح فيه ، بل لا أذكر عاجلا موردا ادّعي المعدل فيه القطع بوثاقة أحد . فتأمّل . كيف ، ولو كانت التّوثيقات متواترة لما وقع الخلاف بين الشّيخ والنجّاشي وغيرهما من أرباب الرجال في التّوثيق والتضعيف ، بل ربّما كان للشيخ مثلا قولان في راو واحد على ما مرّ .

--> ( 1 ) . وهو العلّامة الجليل السّيد على السيستاني ( طال عمره ) الّذي هو اليوم أحد مراجع التقليد بعد وفاة السّيد الخوئي رحمه اللّه ، ثمّ إنّي لقيته بعد 17 سنة من ذاك اللقاء سنة 1414 ه / 1373 ش ، في النجف الأشرف ، فقلت له : هل عندك شيء جديد في هذا المقام ؟ فلم يكن عنده شيء غير ما قاله سابقا . ( 2 ) . ولا يحتمل أن يكون للصدوق ، مثلا - إذا أرسل حديثا - طريق متواتر لم يصل إلى غيره من علماء الحديث ، كالكليني والطّوسي ، مثلا .