الشيخ محمد آصف المحسني
273
بحوث في علم الرجال
( وقد يسّر اللّه وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخيت ) ، فقد أخبر الكليني نفسه بصحّة روايات كتابه ، وإخباره حجّة . وأجيب عنه : بأنّ الصّحة عند القدماء أعمّ من الصحّة عند المتأخّرين ، فإنّها عند الأوّلين تنشأ من الأمارات والقرائن ، الّتي منها وثاقة الرّواة « 1 » ، فلا يكفي تصحيح الكليني لإثبات الصّحة عندنا . أقول : لا شكّ في حجيّة كلّ خبر محفوف بقرينة موجبة للاطمئنان بمطابقته للواقع ، فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة ، ولكن لم يبق لدينا من القرائن الموجودة عند القدماء سوى صدق الرّواة ، ولا نعتمد على شهادة الكليني وأمثاله من علمائنا الأعلام الأماجد بوجود تلك القرائن في رواياتهم لتصبح معتبرة حجّة ؛ وذلك لأنّ القرائن المفيدة للاطمئنان ليست محصورة مضبوطة مقبولة عند الكل ، ليكون الإخبار عن وجودها أخبارا عن حس ، بل هي كثيرة مختلفة متفرقة تختلف شدّة وضعفا حسب اختلاف الأنظار والمشارب والآراء والحالات النفسية ، وحيث أنّ تقليد المجتهد غير سائغ لمجتهد آخر ، بل مطلقا بعد موته لم يجز الاعتماد على فتوى الكليني بصحّة رواياته . ومنه ينقدح ضعف ما ذكره المحدّث النوري « 2 » من أنّ سبب شهادة الكليني بصحّة رواياته ، إمّا وثاقة رواتها فلا إشكال فيه « 3 » لأنّها في حكم توثيق جميعهم بالمعنى الأعم ، أو كونها مأخوذة من تلك الأصول والكتب المعتبرة عند الإماميّة كافة ، وهي شهادة حسّية أبعد من الخطأ والغلط من التوثيق . . . وكذا لو كان بعضها للوثاقة ، وبعضها للأخذ من تلك الأصول كما لعلّه كذلك انتهى ملخّصا . وقد عرفت عدم حصر القرائن في النقل عن الكتب المعتبرة ، بل هي كثيرة غير محصورة ولا مضبوطة .
--> ( 1 ) . لاحظ : في البحث الثالث والثلاثين من هذا الكتاب تفصيل هذه الأمارات والقرائن . ( 2 ) . خاتمة مستدركه : 3 / 536 . ( 3 ) . ليس مفاد توثيقه العام - إن صحّ - اعتبار جميع روايات الكافي ؛ لأنّ جملة كثيرة من الرّوايات تسقط عن الاعتبار لأجل تعارض توثيق الكليني بجرح غيره كالشّيخ والنجاشي ، ولأجل الإرسال ، على أنّ في إسناد روايات الكافي من هو مجهول ، كما في المراسيل والمرفوعات ومعرفة وثاقة رواتها محتاجة إلى علم الغيب ، واحتمال وجود سند آخر صحيح للكليني في هذه الموارد مجرّد احتمال لا يجوز البناء عليه ، بحسب بناء العقلاء .