سميرة مختار الليثي

455

جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول

بلغني وصحّ عندي أنّه حيّ سوي ، ألا وإنّي أستغفر اللّه ممّا دعوتكم إليه من البيعة له وقد خلعت نفسي من بيعتي التّي بايعتموني عليها ، كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي ، وقد صرت كرجل من المسلمين ، فلا بيعة لي في رقابهم ، وقد أخرجت نفسي من ذلك ، وقد ردّ اللّه الحقّ إلى الخليفة المأمون « 1 » . وغادر العبّاسيون مكّة سنة ( 201 ه ) يحملون محمّد بن جعفر وسلّموه إلى الحسين بن جهل ، الّذي بعث به إلى المأمون في مرو وبعد فترة توفّي محمّد بن جعفر ، واشترك المأمون في تشيّع جثمانه إلى القبر ، وقال المأمون وهو يضعه في لحده : « هذه رحم مجفوة منذ مئتي سنة » « 2 » . « وقضى المأمون الدّيوان التّي كانت على محمّد بن جعفر ، فبلغت نحوا من ثلاثين ألف دينار » « 3 » . وهكذا انتهت هدة الحركة الشّيعيّة المحدودة . وقد أجمع المؤرّخون على أنّ وفاة محمّد بن جعفر كانت طبيعيّة ، فلم يلحق به ما لحق بأسلافه الزعماء العلويّين الّذين سجنوا أو عذّبوا أو قتلوا بالسّم . تتّفق هذه الحركة الأخيرة مع معظم الحركات الشّيعيّة السّابقة في إفتقادها دقّة التّنظيم ، وإهمال الدّعوة في الأمصار ، وحشد الأنصار ، والاستعداد الكامل في التّأريخ لمواجهة العبّاسيّين ، فكان مصيرها كلّها الإخفاق ، كما تتّفق حركة محمّد ابن جعفر بن بعض حركات الشّيعيّة الأخرى في قيامها في بلاد الحجاز « 4 » . واختلف مصير محمّد بن جعفر عن مصير أسلافه الزّعماء العلويّين ، فقد مات ميتة طبيعيّة ، بينما لقي الآخرون حتفهم في ساحات القتال أو في سجون العبّاسيّين .

--> ( 1 ) انظر ، تأريخ الطّبري : 7 / 126 - 127 ، ابن الأثير ، الكامل في التّأريخ : 6 / 112 . ( 2 ) انظر ، ابن قتيبة ، المعارف : 133 . ( 3 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 541 ، الغمري : 165 . ( 4 ) قامت حركة محمّد النّفس الزّكيّة والحسين بن عليّ في الحجاز .