سميرة مختار الليثي
333
جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول
فأخرجه من قلبك ، وأمّا عيسى بن زيد ، فأنفق هذه الأموال وأقتل هؤلاء الموالي ، وأهدم هذه المدينة ، حتّى تظفر به ، ثمّ لا ألومك » « 1 » . وبعد أن تولى المهدي الخلافة ، رأى مسالمة عيسى واستمالته ، فأرسل إليه من يؤمّنه على حياته ، ويمنحه كثيرا من الأموال والصّلات ، فقال عيسى لبعض أصحابه : « قد بذل لي من المال ما بذل ، واللّه ما أردت حين أتيت الكوفة الخروج عليه ، ولأن أبيت خائفا ليلة واحدة أحبّ إليّ من جميع ما بذل لي ، ومن الدّنيا بأسرها » « 2 » . اتّخذ عيسى بن زيد الكوفة مركزا لنشاطه السّياسي ، ولكنّه استتر وراء الإقبال على العلم ورواية الحديث « 3 » ، وكان يخرج من وقت إلى آخر إلى الحجاز لأداء الحجّ ولقاء أنصاره من الشّيعة الزّيديّة ، وأطلق هؤلاء الأنصار عليه اسم « بمؤتم الأشبال » « 4 » لما كان يتّصف به من قوّة وبأس . وشعر المهدي بنشاط عيسى : فأمر والي الكوفة بمراقبة تحركاته وعلم الوالي باجتماع عيسى ببعض زعماء الزّيديّة ، فهاجم الدّار ، وألقى القبض على بعض المجتمعين وبعثهم إلى المهدي ، الّذي أمر بسجن بعضهم فظلوا في السّجن حتّى مات عيسى « 5 » . وكان عيسى بن زيد ، في الحقيقة ذكيا إذ اتّخذ الكوفة مركزا لنشاطه ، فقد
--> ( 1 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 345 ، يقصد بالمدينة التّي بناها ( بغداد ) . ( 2 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 411 ، ابن عنبة ، عمدة الطّالب في أنساب آل أبي طالب : 286 . ( 3 ) وصف الإصفهاني ، في مقاتل الطّالبيّين : 407 عيسى بن زيد ، فقال : « وكان عيسى أفضل من بقي من أهله دينا ، وعلما ، وورعا ، وزهدا ، وتقشفا ، وأشدّهم بصيرة في أمره ومذهبه ، مع علم كثير ، ورواية للحديث وطلب له » . ( 4 ) انظر ، أئمّة أهل البيت عليهم السّلام ، عبّاس محمّد زيد : 29 . طبع مؤسّسة الإمام زيد الثّقافيّة . ( 5 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 418 .