سميرة مختار الليثي

220

جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول

لقتال محمّد وكان محمّد يعتمد على ما أبداه حميد من الولاء ولذا أبدى محمّد تعجبه من استمرار حميد في طاعة المنصور وفي إستبساله في قتال أهل المدينة . فقال محمّد لحميد : ألم تبايعني ، فما هذا ؟ . فقال حميد : هكذا نفعل بمن يفشي سرّه إلى الصّبيان « 1 » ، ومن سخرية الأقدار أن يكون مصرع محمّد النّفس الزّكيّة على يد حميد بن قحطبة وقد قام حميد بإحتزاز رأس الشّهيد وحملها إلى عيسى بن موسى ثمّ إلى المنصور . وأبدى المنصور ثباتا ورباطة جأش في أحرج المواقف ، فلم يستسلم لليأس والقنوط فبعث يستدعي جيوشه المتفرقة في أرجاء الدّولة العبّاسيّة كما استدعى الإمداد من بلاد الشّام ، فكان يقدم عليه في كلّ يوم نفر قليل لا يزيد عددهم على عشرة نفر ، ولكن المنصور رسم طريقة دخولهم إلى الكوفة بحيث يشعر أهلها أنّ الإمدادات تتدفق على المنصور ، من كلّ صوب ، فكان هؤلاء النّفر يدخلون من أحد أبواب الكوفة حتّى إذا إجتازوا طرقاتها عادوا للدّخول مرّة أخرى من باب آخر . وظل المنصور حتّى اللّحظة الأخيرة متمسكا بحقّه في الخلافة ، يصور نفسه على أنّه صاحب الحقّ الشّرعي وأنّ محمّدا النّفس الزّكيّة ثائر خارج على الطّاعة . بينما دبّ اليأس في قلب محمّد حين اقتحمت الجيوش العبّاسيّة عليه المدينة ، فأسرع يحلل أنصاره من البيعة له ، فقد خطب : « يا أيها النّاس إنّ هذا الرّجل - أي عيسى بن موسى - قد قرب منكم في عدد وعدّة وقد حللّتكم من بيعتي ، فمن أحبّ المقام فليقم ، ومن أحبّ الانصراف فلينصرف » « 2 » .

--> ( 1 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 270 . ( 2 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 308 .