محمد الريشهري
173
موسوعة معارف الكتاب والسنة
أيضاً ، هذا النصّ الذي يسجّل دون مراء بأنّ الفلسفة التي تكمن وراء بعث جميع الأنبياء الإلهيين هي القيام بالقسط وبسط العدل ، حيث يقول : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ . « 1 » فلا مراء في أنّ الأحاديث التي تأمر بالصبر على الاستئثار والإذعان للجور تتعارض مع هذه الآية الكريمة ، وكذلك مع جميع الآيات التي يحثّ بها القرآن المسلمين على مواجهة الظلم ، ويدعوهم إلى ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإلى القيام بالقسط وبسط العدل . د - التعارض مع أحاديث مواجهة أئمّة الجور من النقاط الأخرى التي تصطفّ إلى جوار ما سبقها في تحليل أحاديث الصبر على الاستئثار وتقويمها ، تعارضها مع أحاديث نبوية أمر فيها النبيّ صلى الله عليه وآله صراحة بمواجهة أئمّة الجور ودعا إلى منابذة الحكّام الظلمة ومقاومتهم ، كما تُومِئ إليه الأمثلة التالية : 1 . عن معاذ بن جبل : سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : خُذُوا العَطاءَ ما دامَ عَطاءً فَإِذا صارَ رِشوَةً فِي الدّينِ فَلا تَأخُذوهُ ، ولَستُم بِتارِكيهِ يَمنَعُكُمُ الفَقرَ وَالحاجَةَ ، ألا إنَّ رَحَى الإِسلامِ دائِرَةٌ فَدوروا مَعَ الكِتابِ حَيثُ دارَ ، ألا إنَّ الكِتابَ وَالسُّلطانَ سَيَفتَرِقانِ فَلا تُفارِقُوا الكِتابَ ، ألا إنَّهُ سَيَكونُ عَلَيكُم امَراءُ يَقضونَ لِأَنفُسِهِم ما لا يَقضونَ لَكُم ، إن عَصَيتُموهُم قَتَلوكُم وإن أطَعتُموهُم أضَلّوكُم ، قالوا : يا رَسولَ اللَّهِ ، كَيفَ نَصنَعُ ؟ قالَ : كَما صَنَعَ أصحابُ عيسَى بنِ مَريَمَ نُشِروا بِالمَناشيرِ وحُمِلوا عَلَى الخَشَبِ ، مَوتٌ في طاعَةِ اللَّهِ خَيرٌ مِن حَياةٍ في مَعصِيَةِ اللَّهِ . « 2 »
--> ( 1 ) . الحديد : 25 . ( 2 ) . المعجم الكبير : ج 20 ص 90 ح 172 ، المعجم الصغير : ج 1 ص 264 ، مسند الشاميّين : ج 1 ص 379 ح 658 ، كنز العمّال : ج 1 ص 216 ح 1081 نقلًا عن تاريخ دمشق عن ابن مسعود نحوه .