محمد الريشهري
361
موسوعة العقائد الإسلامية
واعلم أنّ قول العالم : « لا أدري » لا يضع منزلته ، بل يزيدها رفعة ويزيده في قلوب الناس عظمة ، تفضّلًا من اللَّه تعالى عليه ، وتعويضاً له بالتزامه الحقّ ، وهو دليل واضح على عظمة محلّه وتقواه وكمال معرفته . ولا يقدح في المعرفة الجهل بمسائل معدودة . وإنّما يستدلّ بقوله : « لا أدري » على تقواه ، وأنّه لا يجازف في فتواه ، وأنّ المسألة من مشكلات المسائل . وإنّما يمتنع مِن « لا أدري » من قلّ علمه وعدمت تقواه وديانته ؛ لأنّه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الناس ، وهذه جهالة أخرى منه ؛ فإنّه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلم يبوء بالإثم العظيم ، ولا يصرفه عمّا عرف به من القصور ، بل يستدلّ به على قصوره ، ويظهر اللَّه تعالى عليه ذلك بسبب جرأته على التقوّل في الدين ، تصديقاً لما ورد في الحديث القدسيّ : مَن أفسَدَ جَوّانيّه أفسَدَ اللَّهُ بَرّانيّه . « 1 » ومن المعلوم أنّه إذا رؤي المحققون يقولون في كثير من الأوقات : « لا أدري » ، وهذا المسكين لا يقولها أبداً ، يعلم أنّهم يتورّعون لدينهم وتقواهم ، وأنّه يجازف لجهله وقلة دينه ، فيقع فيما فرّ منه ، واتّصف بما احترز عنه لفساد نيّته وسوء طويّته . وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وآله : المُتَشبّعُ بِما لَم يُعطَ كَلابسِ ثَوبَي زُورٍ . « 2 » وقد أدّب اللَّه تعالى العلماء بقصّة موسى والخضر عليهما السلام حين لم يردّ موسى عليه السلام العلم
--> ( 1 ) . في مشكاة الأنوار : ص 554 ح 1870 « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : ما من عبد إلّاوله جوّاني وبرّانيّ ، فمن أصلح جوّانيّه أصلح اللَّه برّانيّه ، ومن أفسد جوّانيّه أفسد اللَّه عليه برّانيّه . . . » . ( 2 ) . صحيح البخاري : ج 5 ص 2001 ح 4921 ، صحيح مسلم : ج 3 ص 1681 ح 127 ، سنن أبي داود : ج 4 ص 300 ح 4997 كلّها عن أسماء ، كنزالعمّال : ج 3 ص 475 ح 7500 .