ابن حجر العسقلاني
62
الإصابة
تم ذلك كله في غضون عامين مدة خلافة الصديق رضي الله عنه ، ثم ورع الحياة راضيا مرضيا ليحتمل الراية من بعده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك الذي وضع منهجا للدولة الاسلامية يحوي التنظيمات الإدارية ، فدون الدواوين كديوان العطاء ، وديوان الجند ، وديوان الاستيفاء ، كما أوجد مصادر للدخل بما أفاء الله على جيوشه من ثروات الدولة الفارسية والبيزنطية إلى جانب الزكاة والخراج والجزية ونظم القضاء بصفة ، ولم يكن هو وصاحبه في سلوكهما هذا على بدع من القول أو الفعل ، وانما كان اقتداء بالنبي القدوة ، والرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم وحقق الفاروق قضية الشورى كما أرادها الله ورسوله في محكم التنزيل . وازدادت السياسة الخارجية في عهده رسوخا ووضوحا فتمت الفتوحات التي بدأت في عهد الصديق على يده بعد أن عدل الخطط الحربية ، وغير القيادات ، وفتحت دمشق ، وتم الاستيلاء على بيت المقدس ، وكانت الخاتمة الحسنى بفتح مصر في العام الثلاثين من الهجرة ، ودخل الأقباط في الاسلام أفواجا بعد أن خلصهم عمرو بن العاص وجنوده من اضطهاد الرومان وتعسفهم . ثم كان عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب ، وانكسر الباب ، وخرجت الفتنة تطل برأسها من جحرها ، فظنوا حلم عثمان ضعفا ، وما كان الا رجلا حييا ستيرا تستحي منه ملائكة الرحمن . انظر إليه حين تولى هذا الامر ، تجده امام مهام تنوء بعصبة اولي قوة وقد حملها وحده . فها هو معاوية يتربع على عرش الشام ويدين له أهلها بالطاعة العمياء فلم يشأ أن ينقض بناء أرسى قواعده من سبقه ، وهذه أساليب الدهاء والمكر والخداع تتحيط به من كل مكان حتى اضطر للاستعانة باهل الثقة من أقاربه بعد أن فقدها فيمن حوله . ومع ذلك فان الإمبراطورية التي امتدت في عهد أمير المؤمنين عمر من أقصى فارس شرقا ، إلى حدود برقة وطرابلس غربا ، ومن بحر قزوين شمالا إلى بلاد النوبة جنوبا ، لم تتوقف في عهد ذي النورين عثمان بن عفان حيث اجتازت جيوشه ارض فارس حتى وصلت إلى طبرستان شرقا ، والى بلاد خراسان ، كما تكونت أول قوة بحرية لصد عدوان الأساطيل البيزنطية على سواحل مصر الشام ، فانظم جزء آخر من بلا د النوبة في الجنوب وانضمت لها بلاد أرمينية ، ودخلت البحرية الاسلامية جزيرة " قبرص " وما أمر واقعة " ذات الصواري "