ابن حجر العسقلاني

12

الإصابة

ومنها قوله تعالى في سورة الجن : ( فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) فإن قوة هذا الكلام تقتضي أنهم انقادوا له وآمنوا بعد شركهم ، وذلك يقتضي أنهم فهموا أنهم مكلفون به ، وكذلك كثير من الآيات التي في هذه السورة التي خاطبوا بها قومهم . ومنعا قولهم فيها : ( وانا لما سمعنا الهدى امنا به ) وكذا قولهم : ( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) الآيات . ومنها قوله تعالى : ( قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلى ها القران لأنذركم به ومن بلغ ) فهذه الآية تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيا كان أو إنسيا ، وهي في الدلالة كآية الفرقان أو أصرح ، فإن احتمال عود الضمير على الفرقان غير وارد هنا ، فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية ، أقواها آية الانعام هذه ، وتليها آية الفرقان ، وتليها آيات الأحقاف ، وتليها آيات الرحمن ، وخطابها في عدة آيات : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ، وتليها سورة الجن ، فقد جاء ترتيبها في الدلالة والقوة كترتيبها في المصحف ، وفي القرآن أيضا ما يدل لذلك ، ولكن دلالة الاطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث ، وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود ، لان الامر بالانذار ، والمطلق إذا لم يتقيد بقيد يدل على تمكن المأمور في الاتيان به في أي فرد شاء من أفراده وفي كلها ، وهو صلى الله عليه وسلم كامل الشفقة على خلق الله ، والنصيحة لهم والدعاء إلى الله تعالى ، فمع تمكنه من ذلك لا يتدكه في شخص من الأشخاص ، ولا في زمن من الأزمان ، ولا في مكان من الأمكنة وهكذا كانت حالته - صلى الله عليه وسلم ، ويعلم أيضا من الشريعة أن الله تعالى ، لم يرده قوله : ( قم فأنذر ) مطلق الانذار حتى يكتفي بانذار واحد لشخص واحد ، بل أراد التشمير والاجتهاد في ذلك ، فهذه القرائن تفيد الامر بالانذار لكل من يفيد فيه الانذار والجن بهذه الصفة ، لأنه كان فيهم سفهاء وقاسطون وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي صلى الله عليه وسلم دعاءهم ، والآية بالقرائن المذكورة مفيدة للامر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك ، ومنها كل آية فيها لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أمر نهي ونحو ذلك فإن المؤمنين والكافرين صفتان لمحذوف ، والموصوف المحذوف يتعين ان يكون الناس بل المكلفون أعم من أن يكونوا إنسا أو جنا ، وإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال بما لا يعد ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى :