محمد الريشهري
182
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
لَقَد خَشيتُ عَلَيكُم أيُّهَا المُتَمَنّونَ عَلَى اللَّهِ أن تَحُلَّ بِكُم نَقِمَةٌ مِن نَقِماتِهِ ، لِأَنَّكُم بَلَغتُم مِن كَرامَةِ اللَّهِ مَنزِلَةً فُضِّلتُم بِها ، ومَن يُعرَفُ بِاللَّهِ لا تُكرِمونَ ، وأنتُم بِاللَّهِ في عِبادِهِ تُكرَمونَ ، وقَد تَرَونَ عُهودَ اللَّهِ مَنقوضَةً فَلا تَفزَعونَ ، وأنتُم لِبَعضِ ذِمَمِ آبائِكُم تَفزَعونَ ، وذمَّةُ رَسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وآله مَحقورَةٌ ، وَالعُميُ وَالبُكمُ وَالزَّمنى « 1 » فِي المَدائِنِ مُهمَلَةٌ لا تَرحَمونَ ، ولا في مَنزِلَتِكُم تَعمَلونَ ، ولا مَن عَمِلَ فيها تُعينونَ ، وبِالادِّهانِ وَالمُصانَعَةِ عِندَ الظَّلَمَةِ تَأمَنونَ ، كُلُّ ذلِكَ مِمّا أمَرَكُمُ اللَّهُ بِه مِنَ النَّهيِ وَالتَّناهي وأنتُم عَنهُ غافِلونَ ، وأنتُم أعظَمُ النّاسِ مُصيبَةً لِما غُلِبتُم عَلَيهِ مِن مَنازِلِ العُلَماءِ لَو كُنتُم تَشعُرونَ . ذلِكَ بِأَنَّ مَجارِيَ الامورِ وَالأَحكامِ عَلى أيدِي العُلَماءِ بِاللَّهِ ، الامَناءِ عَلى حَلالِهِ وحَرامِهِ ، فَأَنتُمُ المَسلوبونَ تِلكَ المَنزِلَةَ ، وما سُلِبتُم ذلِكَ إلّابِتَفَرُّقِكُم عَنِ الحَقِّ ، وَاختِلافِكُم فِي السُّنَّةِ بَعدَ البَيِّنَةِ الواضِحَةِ ، ولَو صَبَرتُم عَلَى الأَذى وتَحَمَّلتُمُ المَؤونَةَ في ذاتِ اللَّهِ كانَت امورُ اللَّهِ عَلَيكُم تَرِدُ ، وعَنكُم تَصدُرُ ، وإلَيكُم تَرجِعُ ، ولكِنَّكُم مَكَّنتُمُ الظَّلَمَةَ مِن مَنزِلَتِكُم ، وأسلَمتُم « 2 » امورَ اللَّهِ في أيديهِم ، يَعمَلونَ بِالشُّبُهاتِ ، ويَسيرونَ فِي الشَّهَواتِ ، سَلَّطَهُم عَلى ذلِكَ فِرارُكُم مِنَ المَوتِ ، وإعجابُكُم بِالحَياةِ الَّتي هِيَ مُفارِقَتُكُم ، فَأَسلَمتُمُ الضُّعَفاءَ في أيديهِم ، فَمِن بَينِ مُستَعبَدٍ مَقهورٍ ، وبَينَ مُستَضعَفٍ عَلى مَعيشَتِهِ مَغلوبٍ . يَتَقَلَّبونَ فِي المُلكِ بِآرائِهِم ، ويَستَشعِرونَ الخِزيَ بِأَهوائِهِمُ ، اقتِداءً بِالأَشرارِ ، وجُرأَةً عَلَى الجَبّارِ ، في كُلِّ بَلَدٍ مِنهُم عَلى مِنبَرِهِ خَطيبٌ يَصقَعُ « 3 » ، فَالأَرضُ لَهُم
--> ( 1 ) . الزَّمانَة : العاهة . يقال : هو زَمِنٌ ، والجمع : زَمنى ( راجع : القاموس المحيط : ج 4 ص 232 « زمن » ) . ( 2 ) . في المصدر : « واستسلمتم » ، والتصويب من بحار الأنوار . ( 3 ) . الخَطيبُ المِصقَعُ : أيالبليغ الماهر في خطبته الداعي إلى الفتن الذي يحرّض الناس عليها ، والصّقع : رفع الصوت ومتابعته ( النهاية : ج 3 ص 42 « صقع » ) .