السيد عبد الله شبر
434
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
فيالخارج وفي نفس الأمر ، فبملاحظة أنّ انضام المعدوم إلى المعدوم لا يفيد الموجوديّة يعلم أنّ للوجود حقيقة ثابتة في نفس الأمر ، هي منشأ انتزاع الموجوديّة . وأيضاً الأشياء المتغايرة الوجود إنّما يكون تحقّقها بالوجود ، فالوجود نفسه أولى بالتحقّق ؛ ضرورة أنّ ما لا تحقّق له لا يفيد التحقّق لغيره . وقال المتكلّم في الجواب : إنّا لا نفهم من الوجود إلّاكونه منشأ للآثار ، والشيء يصير منشأ لها باعتبار علّته ، فالمعدوم ما لم تتحقّق علّته لا يمكن للعقل انتزاع هذا المعنى منه ، وإذا تحقّقت علّته فينتزع منه ذلك ، وهو عبارة عن وجوده ليس إلّا ، ولا يحتاج الموجود في كونه منشأ للآثار إلّاإلى علّته . قالوا : إنّ الذوق السليم والطبع المستقيم يحكم بداهة بأنّ كون الشيء منشأ للآثار معنًى متأخّر عن تحقّقه تابع له متفرّع عليه ؛ ضرورة أنّ الشيء ما لم يتحقّق لم يصر منشأ لشيء ، ويلزم من هذه المقدّمة البديهيّة وممّا اعترفوا به أن يكون تحقّق الشيء عبارة عن علّته ، وحينئذٍ فالعلّة التي هي التحقّق إن كان تحقّقها بذاتها لا بتحقّق علّة أخرى فهو المطلوب ، وإلّا انتقل الكلام إلى تحقّقه - أي علّته - وتحقّق تحقّقه وهكذا ، فلابدّ أن ينتهي إلى تحقّق قائم بذاته حاصل بنفسه ، وهو عبارة عن الوجود الحقيقي وحقيقة الوجود ، وهو الذي يصير به كلّ شيء منشأ للآثار ، وهي علّة العلل ووجودها وتحقّقها ، وباعتبار ارتباط الأشياء به ينتزع منه الكون المذكور . وأمّا أن كانت هذه الحقيقة شخصيّة قائمة بذاتها فلأنّ كلّ حقيقة مغايرة للوجود فهي ما لم ينضمّ إليها الوجود في نفس الأمر لم تكن موجودة فيها ، وما لم يلاحظ العقل انضمام الوجود إليها لم يكن له الحكم بكونها موجودة ، فكلّ حقيقة مغايرة للوجود فهي في كونها موجودة محتاجة إلى الغير الذي هو الوجود ، وكلّما هو محتاج في كونه موجوداً إلى غيره فهو ممكن ، ولا شيء من الممكن بواجب ، فلا شيء من الحقائق المتغايرة الوجود بواجب . وقد ثبت أنّ الواجب موجود فهو إذاً لا يكون إلّاعين الوجود ، ولمّا وجب أن يكون الواجب جزئيّاً حقيقيّاً قائماً بذاته متعيّناً بنفسه لا بأمر زائد على ذاته وجب أن يكون الوجود الذي هو عينه كذلك .