السيد عبد الله شبر

35

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

وردّهم العدليّة بأنّ هذا التأويل غير جائز لغةً وعقلًا ؛ أمّا اللغة فلوجوه : أحدها : أنّه لا يقال لمن منع غيره عن سلوك الطريق جبراً : إنّه أضلّه ، بل يقال : صرفه ومنعه ، وإنّما يقال : أضلّه إذا أغواه ولبّس عليه . وثانيها : أنّه وصف إبليس وفرعون وغيرهما بالإضلال ، وهم ما كانوا خالقين للضلال في قلب أحد بالاتّفاق ، مع أنّ إطلاق لفظ المضلّ عليهم على سبيل الحقيقة اللغويّة دون المجاز . وثالثها : أنّ الإضلال في مقابل الهداية ، كما صحّ أن يقال : هديته فما اهتدى ، وجب صحّة أن يقال : أضللته فما أضلّ « 1 » ، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال . ثمّ استدلّوا مع ذلك بأدلّة عقليّة : أوّلها : أنّه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثمّ كلّفه بالإيمان لكان قد كلّفه بالجمع بين الضدّين ، وذلك سفه وظلم ، وهما محالان . ثانيها : أنّه لو كان تعالى خالقاً للجهل وملبّساً على المكلّفين لما كان مبيّناً لما كلّف به العبد ، والإجماع محقّق على كونه تعالى مبيّناً . ثالثها : أنّه لو كان كذلك لم يكن لإنزال الكتب وبعثة الرسل فائدة ، بل كان عبثاً وسفهاً . رابعها : أنّه يضادّ كثيراً من الآيات كقوله تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 2 » ، وقوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى « 3 » ، وقوله تعالى : أَنَّى يُصْرَفُونَ « 4 » ، أَنَّى يُؤْفَكُونَ « 5 » .

--> ( 1 ) . في الأصل : « هديته فاهتدى . . . أضللته فأضلّ » وما أثبت من المصدر . ( 2 ) . المدّثّر ( 74 ) : 49 . ( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 94 . ( 4 ) . غافر ( 40 ) : 69 . ( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 75 و . . . .