السيد عبد الله شبر
36
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
خامسها : أنّه تعالى ذمّ إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في الإضلال والإغواء وأمر بالاستعاذة منهم بقوله : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . . . مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ « 1 » ، وقوله : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ « 2 » ، فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ « 3 » ، فلو كان اللَّه فاعل الضلال لوجبت الاستعاذة منه كما وجبت منهم ، ولاستحقّ المذمّة كما استحقّوا ، ولوجب أن يتّخذوه عدوّاً كما وجب اتّخاذ إبليس عدوّاً ، بل تكون حصّته تعالى في جميع ذلك أكثر ، فإنّه المؤثّر في الضلال ، بل يلزم تنزيه إبليس عن هذه القبايح كلّها وإحالتها على اللَّه ، فيكون الذنب منقطعاً عنه بالكلّيّة وعائداً إلى اللَّه ، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً . سادسها : أنّه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره وذمّهم لأجله ، فقال : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى « 4 » ، وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ « 5 » ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ « 6 » ، وهكذا في كثير من الآيات ، فإن كان المضلّ الحقيقيّ أو المشارك القويّ في الإضلال هو اللَّه فكيف ذمّهم عليه ؟ ! سابعها : أنّه تعالى يذكر هذا الضلال جزاءاً لهم على سوء صنيعهم ، وعقوبة عليه ، فلو كان المراد به ما هم عليه من الضلال لكان ذلك تهديداً لهم بشيء هم عليه مقبلون وبه ملتذّذون ، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا ، وبشرب الخمر على شرب الخمر ، وهذا غير جائز . ثامنها : أنّ قوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ « 7 » صريح في أنّ هذا الإضلال فعل بهم بعد فسقهم ونقضهم عهد اللَّه باختيار
--> ( 1 ) . الناس ( 114 ) : 1 و 4 . ( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 97 . ( 3 ) . النحل ( 16 ) : 98 . ( 4 ) . طه ( 20 ) : 79 . ( 5 ) . طه ( 20 ) : 85 . ( 6 ) . ص ( 38 ) : 26 . ( 7 ) . البقرة ( 2 ) : 26 - 27 .