السيد عبد الله شبر
119
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
بل يوجبه الجهل المركّب المشفوع بهيئة نفسانيّة وملكة ظلمانيّة يتأكّد منها في النفس سدٌّ بين يدي القلب وغشاوة على البصيرة . وقال شارح المقاصد : لا خلاف في أنّ من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له ، ومن كفر - نعوذ باللَّه - بعد الإيمان والعمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له ، وإنّما الكلام في من آمن وعمل عملًا صالحاً وآخر سيّئاً - كما يشاهد من الناس - فعندنا مآله إلى الجنّة ولو بعد النار ، واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط . والمشهور من مذهب المعتزلة أنّه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة ، فأشكل عليهمالأمر في إيمانه وطاعاته وما ثبت من استحقاقاته أين طارت ؟ وكيف ذلك ؟ فقالوا بحبوط الطاعات ، ومالوا إلى أنّ السيّئات يذهبن الحسنات ، حتّى ذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات . وفساده ظاهر : أمّا سمعاً للنصوص الدالّة على أنّ اللَّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا وعمل صالحاً . وأمّا عقلًا فللقطع بأنّه لا يحسن من الحكيم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمر بتناول لقمة من الربا أو جرعة من الخمر . قالوا : الإحباط مصرّح به في التنزيل كقوله تعالى : لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ « 1 » ، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ « 2 » ، لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى « 3 » . قلنا : لا بالمعنى الذي قصدتم ، بل المعنى أنّ من عمل عملًا [ صالحاً ] استحقّ به الذمّ ، وكان يمكن أن يعمله على وجه يستحقّ به المدح والثواب ، يقال : إنّه أحبط
--> ( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 2 . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 17 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 264 .