السيد عبد الله شبر
396
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
والطبخ ، وبعضاً للكنس والفرش والسلخ ، وبعضاً لخدمة الفرس والحمار ، وبعضاً لحراسة ما في الدار . ولو اعترض عليه أحد بأنّك لِمَ بنيت هذا المقام للجلوس والمنام ؟ وهذا المكان مطبخاً للطعام ؟ وهذا الموضع مصبّاً للقاذورات ؟ وهذا البيت محرزاً للأدوية والمكروهات ؟ وهلّا جعلت كلّ بيوت الدار مفروشاً نظيفاً مطيّباً بالروائح الطيّبة رشيقاً ؟ ولم جعلت غلامك الفلانيّ للكنس وخدمة الدوابّ ؟ ولم ألبست ذلك العبد فاخر الثياب ؟ وذاك الثياب الغليظة القذرة ؟ وجعلت ذلك لتنظيف الدار من العذرة ؟ وهلّا جعلت الكلّ للمنادمة والمجالسة والمصاحبة والمؤانسة ؟ لضحك صاحب الدار من سخافة عقله ، وسفاهة رأيه ، وغفلته عمّا لاحظه هو وقصده في ترتيب الدار ، وإنّما استعمل غلمانه فيما هو الأليق باستعدادهم ، والأوفق بنظام حال الدار وما أحاط به الجدار ، والأصلح بحالهم وبعمارة الدار على ما يقتضيه صلاح الجميع ونظام الكلّ من حيث هو كلّ ، لا بخصوص فرد فرد من الشريف والوضيع ، وهذا هو مطمح نظر الحكيم الحقّ والعظيم المطلق . وبالجملة ، الغاية الأزليّة متعلّقة بتدبير الكلّ من حيث هو كلّ أوّلًا وبالذات ، وبتدبير الجزء ثانياً بالعرض لا بالذات ، ولا يمكن أن يكون نظام الكلّ أحسن من نظام الواقع وإن أمكن لكلّ فرد فرد ما هو أكمل منه بالنظر إلى خصوصيّته في الواقع ، لكنّه حينئذٍ يكون مخلّاً بحسن نظام الكلّ وإن خفي علينا وجهه ، فتعالى الخالق الصانع . وقد عرفت أنّ المعمار الباني للدار إذا طرح نقش عمارة فربّما كان الأحسن لتلك العمارة من حيث الكلّ أن يكون بعض أطرافه مبرزاً ، والطرف الآخر مَخبَزاً ، والبعض الآخر مجلساً ، والآخر مطبخاً ، والجانب الآخر مخزناً ، والآخر مسلخاً ، بحيث لو غيّر هذا الوضع لاختلّ مجموع نظم العمارة ، وانحطّ عن مرتبة الجمال والنضارة ، وإن كان الأحسن نظراً إلى خصوصيّة كلّ فرد من الأجزاء أن يكون مجلساً مثلًا ومكاناً نظيفاً مرغوباً للجالسين وغرفة لا يبغون عنها حولًا . فكلّنا بنظام الكلّ مربوط * والكلّ بالكلّ ممزوج ومخلوط لكن تفاوتت الأقدار من سبب * فبعضنا غابط والبعض مغبوط