عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي
446
مختصر تفسير القمي
أقول : في هذا الكلام أنظار ؛ فإنّ النبوّة لا تكون في خاتم وغيره ، ووصيّ نبيّ لا يكون أعلم منه ، فليتأمّل ؛ فإنّ هذا الكلام لا يقوله من عرف الأنبياء وقدرهم عند اللَّه ، وإنّما يقوله المجسّمة من أهل الظاهر والحشوية ، وإنّ الإماميّة تنزّه اللَّه ورسوله وأئمّته من جميع القبائح مثلهم ، فلا تنسب إليهم هذه الهذيانات ؛ فإنّ هذه الأقوال الباطلة من أقوال الحشويّة . [ 41 ] قوله : « وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ » . . . الآية ، فإنّه روي : أنّه لم يكن أحد من أنبياء اللَّه أحد أكثر شكراً وحمداً للَّهمن أيّوب ، وكان اللَّه قد رزقه مالًا وأهلًا وولداً وزرعاً وغنماً ودواباً ونعمةً واسعةً ، فأغاظ إبليس أيّوب وكثرة حمده وشكره للَّه ، فقال : يا ربّ إنّما يشكرك أيّوب بما وسّعت عليه ، فلو ابتليته بنقص ماله لقلّ شكره ، فقال : كذبت يا ملعون . « 1 » فقال : يا ربّ ، سلّطني على غنمه . فسلطه على غنمه ، فأهلكها ، فازداد أيّوب للَّه شكرا وحمدا . فقال : يا ربّ ، سلّطني على بدنه ، فسلّطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه ، فنفخ فيه إبليس ، فصار قرحة واحدة ، من قرنه إلى قدمه ، فبقي على ذلك عمراً طويلًا يحمد اللَّه ويشكره ، حتّى وقع في بدنه الدود ، وكانت تخرج من بدنه فيردّها ، ويقول لها : إرجعي إلى موضعك الذي خلقك اللَّه منه ، ونتن حتّى أخرجه أهل القرية من القرية ، وألقوه في المزبلة خارج القرية . وكانت امرأته رحمة بنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ( صلوات اللَّه عليهم وعليها ) تتصدّق من الناس وتأتيه بما تجده . قال : فلمّا طال عليه البلاء ، ورأى إبليس صبره أتى أصحاباً له كانوا رهباناً في الجبال ، فقال : مروّا بنا إلى هذا العبد المبتلى ، نسأله عن بليّته . فركبوا بغالًا شهباً وجاءوا ، فلمّا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه ، فقرّبوا بعضاً إلى بعض ، ثمّ مشوا إليه ، وكان فيهم شابّ حدث السنّ ، فقعدوا إليه ، فقالوا : يا أيّوب ، لو أخبرتنا بذنبك لعلّ اللَّه يجيبنا إذا
--> ( 1 ) . العبارة في الأصل هكذا : « إن أيّوب لم يؤدّ إليك شكر هذه النعمة إلّابما أعطيته من الدنيا ، ولو حرمته دنياهما أدّى إليك شكر نعمة أبداً ، فسلّطني على دنياه حتّى تعلم أنّه لا يؤدّي إليك شكر نعمة أبداً . فقيل له : قد سلّطتك على ماله وولده . قال : فانحدر إبليس فلم يبق له مالًا ولا ولداً إلّاأعطبه ، فازداد أيّوب للَّهشكراً وحمداً ، قال : فسلّطني على زرعه . قال : قد فعلت . فجاء مع شياطينه ، فنفخ فيه ، فاحترق ، فازداد أيّوب للَّهشكراً وحمداً »