عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي
177
مختصر تفسير القمي
فقال عتبة بن ربيعة : أترى لهم كميناً ومدداً ؟ فبعثوا عمير بن وهب الجمحي ، وكان فارساً شجاعاً ، فجال بفرسه حتّى طاف على عسكر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ثمّ صعد الوادي وصوّت ، ثمّ رجع إلى قريش ، فقال : ما لهم كمين ولا مدد ، ولكن نواضح « 1 » يثرب قد حملت الموت الناقع ، أمّا ترونهم خرساً لا يتكلّمون ، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي ، ما لهم ملجأ إلّاسيوفهم ، وما أراهم يولّون حتّى يُقْتَلوا ، ولا يُقْتَلون حتّى يَقْتُلوا بعددهم فارتأوا رأيكم . فقال أبو جهل : كذبت وجبنت ، وانتفخ سحرك « 2 » حين نظرت إلى سيوف يثرب . وفزع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حين نظروا إلى كثرة قريش وقوّتهم ، فأنزل اللَّه على رسوله : « وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » « 3 » وقد علم اللَّه أنّهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم ، وإنّما أراد سبحانه بذلك تطييب قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله . فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى قريش ، فقال : « يا معشر قريش ، ما أحد من العرب أبغض إليّ من أن أبدأكم « 4 » ، فخلّوني والعرب ، فإن أك صادقاً فأنتم على عيني ، وإن أك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمري ، فارجعوا » . فقال عتبة : واللَّه ، ما ردّ هذا قطّ قوم فأفلحوا ، إرجعوا إلى مكّة ، فإن محمّدا له إلٌّ « 5 » وذمّة ، وهو ابن عمّكم ، فارجعوا ولا تردّوا رأيي ، وإنّما تطالبون محمّداً بالعير التي أخذوها بنخلة ، ودم ابن الحضرمي « 6 » وهو حليفي وعليّ عقله . فلمّا سمع أبو جهل ذلك غاضه ، وقال : يا عتبة ، نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب فجبنت وانتفخ سحرك . فقال عتبة : يا مصفرّاً استه ، أمثلي يجبّن ، ستعلم قريش اليوم أيّنا ألأم وأجبن ، وأيّنا المفسد لقومه ، فنظر عتبة إلى أخيه شيبة ، فقال : قم يا شيبة ، ونظر إلى ابنه الوليد ، فقال :
--> ( 1 ) . الناضح : البعير يستقى عليه ، والجمع : نواضح . الصحاح ، ج 1 ، ص 411 ( نضح ) ( 2 ) . انتفخ سحرك : أي رئتك ، يقال ذلك للجبان . النهاية ، ج 2 ، ص 346 ( 3 ) . الأنفال ( 8 ) : 61 ( 4 ) . في « ب » : « من إتيانكم » ( 5 ) . الإلّ : القرابة القريبة ( 6 ) . راجع تفصيل الواقعة في تفسير الآية 217 من سورة البقرة