يوسف بن أبي بكر السكاكي
16
مفتاح العلوم
العلم ويلتمس تلك الحظوة لديهم حتى كان ذلك سبب سجنه وحتفه ، فوقع عكس ما كان يؤمله ، وما لم يخطر له ببال ، وهذا ما تكشف عنه الحكايات المذكورة في مصارد ترجمته ، إذا صحت تلك الحكايات . فقد ذكر صاحب روضات الجنات أنه كان في مبدأ أمره حدادا ، فعمل بيده محبرة صغيرة من الحديد ، وجعل لها قفلا عجيبا ، ولم يزد وزن تلك المحبرة وقفلها قيراطا واحدا ، فأهداها إلى ملك زمانه ، ولما رآه الملك وندماء مجلسه الرفيع لم يزيدوا على ترحيب الرجل على صنعته ، فاتفق أنه كان واقفا في الحضور إذ دخل رجل آخر ، فقام الملك احتراما لذلك الرجل ، وأجلسه مقامه ، فسأل عنه السكاكي ، فقيل له : إنه من جملة العلماء ، فتفكر السكاكي في نفسه : أنه لو كان من هذه الطائفة لكان بلغ ما كان يطلبه من الفضل والشرف والقبول ، وخرج من ساعته إلى المدرسة لتحصيل العلوم ، وكان إذ ذاك قد ذهب من عمره ثلاثون سنة « 1 » . . . " . فاتجه للدرس وتحصيل العلم ، وتذكر المصادر في هذا المجال أنه لقى في بدء تعليمه مشقة كبيرة وعنتا عظيما في الفهم والأخذ عن أساتذته حتى إنه ترك المدرسة وأساتيذة ، إلا أنه عاود الدرس مرة ثانية فأفلح بعد أن أجهد نفسه ، فكان أن أحسن العلوم وألف فيها وذاع صيته ، وأصبح علما من أعلام عصره ورجال فنه وعلمه ، وتفنن في علوم شتى وعانى مواد مختلفة ، فمن جملة ما عانى النجوم وعلومها ، ولإتقانه العلوم وشهرته بها قامت له صلات مع حكام زمانه ، وكان من جملة علماء السلطان خوارزمشاه ، وقد التقى به ، وقامت معرفة العلم مقام الصلة بينهما « 2 » . كما أن السكاكي بسبب تفننه في هذه العلوم وقع في كيد الوزير " حبش عميد " وزير " جغتاي خان ابن جنكيز خان " وذلك لقراءة طالع ، وعمل قام به السكاكي ، فحقد عليه هذا الوزير ، الأمر الذي سبب حبس السكاكي « 3 » . ويذكر صاحب الفوائد البهية أن ( حبش عميد ) وزير ( جغتاي خان بن جنكيز خان ) لم يزل يسعى لدى جغتاي في حبس السكاكي وإغراء السلطان به حتى حبسه ومات في حبسه ، قال صاحب الفوائد : فوجد " حبش عميد " موقع السعاية وقال لجغتاي : لما كان قادرا على إيجاد مثل هذه الأمور فلا عجب منه لو انتزع
--> ( 1 ) المصدر السابق 8 : 221 . ( 2 ) مقدمة مفتاح العلوم / تحقيق أكرم عثمان يوسف ، ص 17 . ( 3 ) الفوائد البهية : 232 .