الشيخ فاضل اللنكراني

83

مدخل التفسير

تقول العرب : « كار العمامة على رأسها إذا أدارها ولفّها ، وكوّرها بالتشديد صيغة مبالغة وتكثير » فالتكوير في اللّغة إدارة الشيء على الجسم المستدير كالرأس بالإضافة إلى العمامة ، فتكوير اللّيل على النّهار ظاهر في كرويّة الأرض ، وفي بيان حقيقة اللّيل والنهار على الوجه المعروف في الجغرافية الطّبيعة . وقوله تعالى في سورة الرحمن 17 : « رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ » . وتوضيح المراد من هذه الآية الشريفة : أن الكتاب العزيز قد استعمل فيه لفظ المشرق والمغرب - تارة - بصيغة الافراد ، كقوله تعالى في سورة البقرة 11 : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ » - وأخرى - بصيغة التثنية كهذه الآية الّتي نحن بصدد التوضيح للمراد منها ، وقوله تعالى في سورة الزخرف 28 : « يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ » . وثالثة - بصيغة الجمع ، كقوله تعالى في سورة الأعراف 137 : « وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا » . وقوله تعالى في سورة المعارج 40 : « فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ » . امّا ما ورد فيه هذان اللّفظان بصيغة الافراد : فهو مع قطع النظر عن الآيات الظاهرة في التعدّد يلائم مع وحدتهما ، وامّا بعد ملاحظتها فلا محيص عن أن يكون المراد منه هو النوع المنطبق على المتعدد من أفرادهما . وامّا ما ورد فيه هذان اللفظان بصيغة المثنى : فقد اختلف المفسرون في معناه فقال بعضهم : المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغربهما ، وحمله بعضهم على أن المراد منه مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما ، ولكن بعد اهتداء البشر إلى كرويّة الأرض وانّها فلك مستدير كروى ، واستكشافهم لوجود قارة أخرى على السطح الآخر للأرض يكون شروق الشمس عليها غروبها عن قارّتنا : ظهر انّ المراد بالآية هو تعدد المشرق بالإضافة إلى الشمس في كل يوم وليلة ، لا ان التعدد بلحاظ الشمس