الشيخ فاضل اللنكراني
76
مدخل التفسير
نعم : حرّضت التوراة الناس إلى الطّاعة ، والتجنب عن المعصية من جهة تأثير الطاعة في حصول الغنى في الدنيا ، والتسلط على الناس باستعبادهم ، وتأثير المعصية في تحقق السقوط من عين الرّب ، وسلب الأموال والشؤون الماديّة ، ولأجل عدم دلالة التوراة على وجود عالم الآخرة والدعوة إلى ما يؤثر فيه : نرى التابعين لها في مثل هذه الأزمنة غير متوجهين الّا إلى الجهات الراجعة إلى عالم المادّة والغنى والمكنة ، ولا نظر لهم أصلا إلى عالم الآخرة ، ولهم في هذا المجال قصص مضحكة مشهورة . وفي مقابلها : شريعة إنجيل ، ناظرة إلى الآخرة فقط ، ولا تعرض فيها لصلاح حال الدنيا وشؤونها بوجه من الوجوه . امّا القرآن الكريم : فقد نزل في عصر كان الحاكم عليه القوانين الرائجة بين الوثنية من ناحية ، وقوانين التوراة والإنجيل المحرفة من ناحية أخرى ، وملاحظة نظامه وتشريعه من حيث هو - سيّما مع المقايسة لتلك القوانين الحاكمة في ذلك العصر - ترشد الباحث ارشادا قطعيّا إلى كونه نازلا من عند اللّه تبارك وتعالى : امّا من جهة اشتماله على نظام الدنيا ، ونظام الآخرة ، وتضمّنه لما يصلح في كلا العالمين ، وتكفله لما يؤثر في السّعادتين : فلا موقع للارتياب في البين ، ويكفى في الدعوة إلى عالم الآخرة ، الذي قد عرفت انه الغرض الأقصى والمطلوب الأهم في الأديان والشرائع الالهيّة ، مثل قوله تعالى في سورة القصص : 77 « وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا » . بل إن هذه الآية تدلّ على كلا النظامين ، وعلى اهميّة النظام الأخروي ورجحانه على النظام الدنيوي ، وقوله تعالى في سورة الزلزلة 8 - 7 : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » . خصوصا مع ملاحظة ما حكى في شأن هذه الآية عن الإمام زين العابدين عليه السّلام من أنّها احكم آية في القرآن ، ومع ظهورها في ان المرئى في عالم الآخرة