الشيخ فاضل اللنكراني

75

مدخل التفسير

القرآن وقوانينه التشريعية من جملة وجوه الاعجاز الكثيرة : رعاية القرآن في نظامه وتشريعه ، سيّما في المقايسة مع المقررات الرّائجة في عصر نزول القرآن ، وورود قوانينه وشرائعه ، وتلك المقرّرات أعم من القوانين الشائعة بين الطائفة الوثنيّة ، التي تكون العمدة فيها عبادة الآلهة المصنوعة ، واتخاذها شفعاء إلى اللّه تعالى ، وبعد ذلك شيوع النهب والغارة بينهم ، وابتهاجهم بإقامة الحروب والمعارك ، وقتل الأنفس واغتنام الأموال ، وشيوع الاستقسام بالانصاب والأزلام ، واعتيادهم لشرب الخمر ، واللعب بالميسر ، وافتخارهم بذلك ، والتزويج بنساء الآباء ، ودسّ البنات في التراب ، كما حكاه القرآن بقوله تعالى النحل 59 : « وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ » . ولكن البناء العملي غالبا انما كان على الدّس والدفن في حال الحياة . ومن القوانين الشائعة بين أهل الكتاب التابعين لكتب العهدين المحرّفة : فان التوراة - مع كبر حجمها - لا يكون فيها مورد تعرضت فيه لوجود القيامة ، وعالم الجزاء على الاعمال أصلا ، مع أنه من الواضح ان الغرض الأقصى والمطلوب الاوّلى في باب الأديان هو تأمين عالم الآخرة ، والدعوة إلى الاعمال الحسنة التي يترتب عليها الثواب والراحة ، ودخول الجنّة ، وعليه فكيف يمكن ان يكون كتاب الوحي خاليا عن التعرض لمثل ذلك العالم ، الذي لا تدركه الحواس ، ويحتاج إلى التعرض والهداية ، وإراءة الطريق اليه ، فضلا عن الدعوة إلى الاعمال النافعة في ذلك العالم ، الرابحة في سوقه .