الشيخ فاضل اللنكراني

57

مدخل التفسير

« ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ففي الحقيقة ان كون القرآن تبيانا أعم من أن يكون تبيانا للشيء بنفسه ، أو بواسطة الرسول الّذي نزّل عليه القرآن . ومن الآيات الّتي يمكن ان يستدل بها على التحدّي بالعلم ، قوله تعالى في سورة الأنعام 59 : « وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » بناء على كون المراد بالكتاب المبين هو القرآن المجيد ، وكون المراد بالرطب واليابس المنفيّين هو علم كلّ شيء بحيث تكون الآية كناية عن الإحاطة العلميّة ، والبيان الكامل الجامع ، فيرجع المراد إلى ما في الآية المتقدّمة من كون الكتاب جامعا لعلم الأشياء ، وحاويا لبيان كلّ شيء . لكن الظاهر أنه ليس المراد بالكتاب المبين هو القرآن ، بل شيئا آخر يكون فيه جميع الموجودات والأشياء بأنفسها ، ويؤيّده صدر الآية وهو قوله تعالى : « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » وكذا تعلّق النفي بنفس الرطب واليابس الظاهرين في أنفسهما ، لا في العلم بهما ، وكذا عدم اختصاص النفي بهما ، بل تعلّقه بالحبة الّتي في ظلمات الأرض ، لانّ الاستثناء يتعلّق به أيضا ، فلا بدّ من الالتزام بكون المراد بها هو العلم بالحبة أيضا ، وهو خلاف الظاهر جدّا ، وعليه يكون مفاد الآية اجنبيّا عما نحن بصدده ، لان مرجعه إلى ثبوت الأشياء الموجودات بأنفسها في الكتاب الّذي هو بمنزلة الخزينة لها . نعم : يبقى الكلام في المراد من ذلك الكتاب ، وانه هل هو عبارة عن صفحة الوجود المشتملة على أعيان جميع الموجودات ، أوامر آخر يغاير هذا الكون ، ثابت فيه الأشياء نوعا من الثبوت ، كما يشير إليه قوله تعالى في سورة الحجر 21 : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » وعلى أيّ لا يرتبط بالمقام الّذي يدور البحث فيه حول الكتاب بمعنى القرآن المجيد الّذي يكون معجزة .