الشيخ فاضل اللنكراني
36
مدخل التفسير
ذلك الطوال والقصار ، فتخصيص التحدّى بعشر سور طويلة جامعة : تقييد من غير مقيّد ، وإن كان عائدا إلى سورة هود كان مستبشعا من القول ، خصوصا بعد عدم اختصاص الرّمى بالافتراء بسورة هود ، لأنه كيف يستقيم في مقام الجواب عن الرّمى بان مثل سورة الكوثر من الافتراء ان يقال : ائتوا بعشر سور مفتريات مثل سورة هود كما هو واضح . وقد تفصى عن هذا الاشكال بعض الأعاظم في تفسيره الكبير المعروف ب « الميزان في تفسير القرآن » بكلام طويل يرجع حاصله إلى : « ان كل واحدة من آيات التحدّى تؤم غرضا خاصّا في التحدّي ، لان جهات القرآن وما به تتقوّم حقيقته وهو كتاب الهي - مضافا إلى ما في لفظه من الفصاحة ، وفي نظمه من البلاغة انما ترجع إلى معانيه ومقاصده ، لا ما يقصده علماء البلاغة من قولهم : أن البلاغة من صفات المعنى . لأنهم يعنون به المفاهيم من جهة ترتبها الطبيعي في الذهن ، من دون فرق بين الصدق والكذب والهزل والفحش وما جرى مجراها ، بل المراد من المعنى ما يصفه تعالى بأنه كتاب حكيم ، ونور مبين ، وقرآن عظيم ، وهاد يهدى إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ، وما يضاهي هذه التعبيرات ، وهذا هو الّذي يصح ان يتحدّى به بمثل قوله : « فليأتوا بحديث مثله » فانّا لا نسمّى الكلام حديثا الّا إذا اشتمل على غرض هامّ يتحدث به ، وكذا قوله : « فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ » فإنّ اللّه لا يسمّى جماعة من آيات كتابه وإن كانت ذات عدد سورة الّا إذا اشتملت على فرض الهي بها تتميّز عن غيرها ، ولولا ذلك لم يتمّ التحدّي بالآيات القرآنيّة ، وكان للخصم ان يختار من مفردات الآيات عددا ذا كثرة ، ثم يقابل كلّا منها بما يناظرها من الكلام العربي من غير أن يضمن ارتباط بعضها ببعض ، فالذي كلّف به الخصم في هذه التحدّيات هو أن يأتي بكلام يماثل القرآن ، مضافا إلى بلاغة لفظه في بيان بعض المقاصد الالهيّة . والكلام الإلهي - مع ما تحدّى به في آيات التحدّي - يختلف بحسب ما