الشيخ فاضل اللنكراني
102
مدخل التفسير
قال الوليد : فدعني حتى أفكر فيه ، فلما فكر قال : « هذا سحر يؤثره من غيره » . انظر إلى هذا الاعتراف الصادر عمن يدعى الاعلميّة في الجهات الادبيّة ، الراجعة إلى الفصاحة والبلاغة ، ويصدّقه فيه المخاطب ، ولأجله تشبث به ، ورجع اليه ، واصرّ عليه ان يقول في القرآن قولا ، فمع مثل هذا الاعتراف هل يتوهم عاقل أن تكون العلة لعدم الاتيان بمثل القرآن غير العجز ، وعدم القدرة ، خصوصا مع تصريحه بأنه يحطم ما تحته ، وانه يعلو ولا يعلى عليه . وامّا البرهة الثانية التي كان الرسول فيها مقيما بالمدينة المشرفة فالدليل على عجزهم عن الاتيان بما يماثل القرآن في تلك البرهة ما أشرنا اليه من اختيارهم المبارزة بالسنان ، والمقابلة بالسيوف على المعارضة بالبيان ، والمقابلة بالحروف ، مع أنه ليس من شأن العاقل - مع القدرة والاستطاعة - على اسقاط دعوى المدعى والتحفظ على عقيدته ومرامه ، وصون جاهه ومقامه ، من طريق البيان ، وتلفيق الحروف ، وتأليف الكلمات ان يدخل من باب المحاربة ، ويعدّ نفسه للمنازعة المستلزمة للخطر والمهلكة ، وصرف أموال كثيرة ، وتحمّل مشاق غير عديدة . واذن فالدليل الظاهر على عجزهم في تلك المدة وقوع الغزوات الكثيرة بينهم وبين المسلمين ! . وامّا بعد وفاة النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وزمن الخلفاء ، وسيطرة المسلمين فقد كان أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها ، وكانوا لا يخافون من اظهار مرامهم ، وانكارهم لدين الاسلام ، وعدم اعتقادهم به ، فكيف يحتمل خوفهم من الاتيان بما يعارض القرآن ويماثله ، لو كانوا قادرين على ذلك . وأمّا ما ذكره المتوهّم أخيرا من أنه بعد انقراض عهد الخلفاء الأربعة ، ووصول النوبة إلى الأمويين صار القرآن مأنوسا لجميع أذهان المسلمين ، بحيث لم يبق مجال لمعارضته بعد رسوخه وتكرّره . فالجواب عنه : ان مقتضى الطباع البشريّة أن يكون التكرار للكلام وان بلغ ما بلغ من البلاغة وارتفع مقامه من الفصاحة - موجبا لنزوله وهبوطه عن ذلك