الشيخ فاضل اللنكراني

103

مدخل التفسير

المقام المرتفع ، بحيث ربما يبلغ إلى حدّ التنفر والاشمئزاز ، هذا لا يختص بالكلام ، بل يجرى في جميع ما يوجب التذاذ الانسان من المحسوسات ، فان اللذة الحاصلة منها في الادراك الاوّل لا ينبغي ان تقاس مع ما يحصل منها في الثاني والثالث ، وهكذا بل تنقص في كلّ مرّة إلى حدّ تبلغ العدم ، بل تتبدل إلى الضدّ . وأمّا القرآن فلو لم يكن معجزا صادرا من مبدأ الوحي ، ومعدن العلم لكان اللازم جريان ما لسائر الكلمات فيه أيضا ، مع انا نرى بالوجدان ان القرآن على كثرة تكراره وترديده لا يزداد الّا حسنا وبهجة ، ويحصل للانسان من العرفان واليقين والايمان والتصديق واللذّة الروحانية ما لم يكن يحصل له من قبل . قال النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في وصف القرآن وشأنه : « فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانّه شافع مشفع ، وماحل مصدق ، ومن جعله امامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره انيق ، وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، مصابيح الهدى ومنار الحكمة ، ودليل على المغفرة لمن عرف الصّفة ، فليجل جالى بصره ، وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ، ويتخلص من نشب ، فان التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشى المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص » . ولعمري ان هذا لا يفتقر إلى توصيف من النبي والائمّة المعصومين - صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين - بل نفس الملاحظة الخالية عن التعصب والعناد تهدى الباحث المنصف إلى ذلك ، من دون حاجة إلى البيان ، وتوضيح وتبيان . كما أن الانصاف انّ هذا وجه مستقل من وجوه اعجاز القرآن ، فان الكلام الآدمي ولو وصل إلى مراتب الفصاحة والبلاغة يكون تكرّره موجبا لنزوله وسقوطه وهبوطه عن تلك المرتبة ، وأمّا القرآن فكما يشهد به الوجدان لا يؤثر فيه التكرار