الشيخ فاضل اللنكراني
101
مدخل التفسير
متأخرين منها بقليل ، فلقد كانت تمنعهم عن التصدي لذلك ، والورود في هذا المجال الخوف الناشئ من سيطرة المسلمين واقتدارهم ، المانع عن تجرّى العرب على القيام بمعارضة القرآن الذي هو الأساس في الاسلام ، وصدق النبوّة ، وبعد انقراض الخلفاء الأربعة وتصدّى الأمويين للزّعامة الاسلامية صار القرآن مأنوسا لجميع الأذهان ، راسخا في القلوب ، ولم يبق معه للقيام بالمعارضة مجال . والجواب : ان عدم الاتيان بمثل القرآن في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وحياته لا يتصور له وجه ، ولا يعقل له سبب غير العجز وفقدان القدرة من دون فرق بين الزمان الذي كان في مكة المكرّمة والزمان الذي أقام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في المدينة المشرّفة : امّا البرهة الأولى - مع وقوع التحدي فيها - فواضح من أنه لم يظهر للاسلام في تلك البرهة شوكة ، ولا للمسلمين مع قلة عددهم اقتدار وسيطرة ، بل كان الخوف ثابتا لهم عما يشهد به التاريخ ويساعده الاعتبار ، فما الذي منع الكفار من العرب في هذه البرهة من الزمن عن الاتيان بمثل القرآن ، مع أنهم تشبثوا بكل طريق إلى اطفاء نور النبوة ، وارضاء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم برفع اليد عن الدعوة ، والاغماض عن الكلمة ، ولو بتفويضهم اليه الرغامة والحكومة ، وتمكينه من الأموال والثروة ، والأبكار من النساء الجميلة ، ومن المعلوم انه لو كان فيهم من يقتدر على الاتيان بسورة مثل القرآن لما احتاجوا إلى الخضوع في مقابله بمثل ذلك الخضوع ، الكاشف عن الاضطرار والعجز الذي يتنفر كل انسان بطبعه عن الاتصاف به . ويدل على ما ذكرنا ما قاله الوليد بن المغيرة حينما سأله أبو جهل ، واصرّ عليه ان يقول في القرآن قولا مما هذا لفظه المحكي : « فما أقول فيه فو اللّه ما منكم رجل اعلم في الاشعار منى ، ولا اعلم برجزه منّى ، ولا بقصيدته ، ولا باشعار الجنّ ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، واللّه ان لقوله لحلاوة ، وانه ليحطم ما تحته ، وانه ليعلو ولا يعلى عليه » قال أبو جهل : واللّه لا يرضى قومك حتى تقول فيه ،