الشيخ الأنصاري

51

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

فلا معنى للإباحة التي هي الأصل في الأشياء وثانيا أن أصالة الإباحة إنما هي فيما لا يستقل العقل بقبحه وقد عرفت استقلال العقل بقبح التعبد بالظن من دون العلم بوروده من الشارع . ومنها أن الأمر في المقام دائر بين الوجوب والتحريم ومقتضاه التخيير أو ترجيح جانب التحريم بناء على أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة . وفيه منع الدوران لأن عدم العلم بالوجوب كاف في ثبوت التحريم لما عرفت من إطباق الأدلة الأربعة على عدم جواز التعبد بما لا يعلم وجوب التعبد به من الشارع ألا ترى أنه إذا دار الأمر بين رجحان عبادة وحرمتها كفى عدم ثبوت الرجحان في ثبوت حرمتها . ومنها أن الأمر في المقام دائر بين وجوب تحصيل مطلق الاعتقاد بالأحكام الشرعية المعلومة إجمالا وبين وجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي فيرجع إلى الشك في المكلف به وتردده بين التخيير والتعيين فيحكم بتعيين تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي تحصيلا لليقين بالبراءة خلافا لمن لم يوجب ذلك في مثل المقام . وفيه أولا أن وجوب تحصيل الاعتقاد بالأحكام مقدمة عقلية للعمل بها وامتثالها فالحاكم بوجوبه هو العقل ولا معنى لتردد العقل في موضوع حكمه وأن الذي حكم هو بوجوبه تحصيل مطلق الاعتقاد أو خصوص العلم منه بل إما أن يستقل بوجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي على ما هو التحقيق وإما أن يحكم بكفاية مطلق الاعتقاد ولا يتصور الإجمال في موضوع الحكم العقلي لأن التردد في الموضوع يستلزم التردد في الحكم وهو لا يتصور من نفس الحاكم وسيجيء الإشارة إلى هذا في رد من زعم أن نتيجة دليل الانسداد مهملة مجملة مع عده دليل الانسداد دليلا عقليا وحكما يستقل به العقل . وأما ثانيا فلأن العمل بالظن في مورد مخالفته للأصول والقواعد الذي هو محل الكلام مخالفة قطعية لحكم الشارع بوجوب الأخذ بتلك الأصول حتى يعلم خلافها فلا حاجة في رده إلى مخالفته لقاعدة الاشتغال الراجعة إلى قدح المخالفة الاحتمالية للتكليف المتيقن مثلا إذا فرضنا أن الاستصحاب يقتضي الوجوب والظن حاصل بالحرمة فحينئذ يكون العمل بالظن مخالفة قطعية لحكم الشارع بعدم نقض اليقين بغير اليقين فلا يحتاج إلى تكلف أن التكليف بالواجبات والمحرمات يقيني ولا نعلم كفاية تحصيل مطلق الاعتقاد الراجح فيها أو وجوب تحصيل الاعتقاد القطعي وأن في تحصيل الاعتقاد الراجح مخالفة احتمالية للتكليف المتيقن فلا يجوز فهذا أشبه شيء بالأكل عن القفاء .