الشيخ الأنصاري

21

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

إدراك نفس الأحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الأمر وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك كما يدل عليه الأخبار الكثيرة الواردة بمضمون أن دين الله لا يصاب بالعقول و ( : أنه لا شيء أبعد عن دين الله من عقول الناس ) . وأوضح من ذلك كله ( رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام : قال قلت له رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها من الدية قال عشر من الإبل قال قلت قطع إصبعين قال عشرون قلت قطع ثلاثا قال ثلاثون قلت قطع أربعا قال عشرون قلت سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون كان يبلغنا هذا ونحن بالعراق فقلنا إن الذي جاء به شيطان قال عليه السلام مهلا يا أبان هذا حكم رسول الله صلى اللَّه عليه وآله إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغ الثلث رجع إلى النصف يا أبان إنك أخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدين ) وهي وإن كانت ظاهرة في توبيخ أبان على رد الرواية الظنية التي سمعها في العراق بمجرد استقلال عقله بخلافه أو على تعجبه مما حكم به الإمام عليه السلام من جهة مخالفته لمقتضى القياس إلا أن مرجع الكل إلى التوبيخ على مراجعة العقل في استنباط الأحكام فهو توبيخ على المقدمات المفضية إلى مخالفة الواقع . وقد أشرنا هنا وفي أول المسألة إلى عدم جواز الخوض لاستكشاف الأحكام الدينية في المطالب العقلية والاستعانة بها في تحصيل مناط الحكم والانتقال منه إليه على طريق اللم لأن أنس الذهن بها يوجب عدم حصول الوثوق بما يصل إليه من الأحكام التوقيفية فقد يصير منشأ لطرح الأمارات النقلية الظنية لعدم حصول الظن له منها بالحكم . وأوجب من ذلك ترك الخوض في المطالب العقلية النظرية لإدراك ما يتعلق بأصول الدين فإنه تعريض للهلاك الدائم والعذاب الخالد وقد أشير إلى ذلك عند النهي عن الخوض في مسألة القضاء والقدر وعند نهي بعض أصحابهم عليهم السلام عن المجادلة في المسائل الكلامية لكن الظاهر من بعض تلك الأخبار أن الوجه في النهي عن الأخير عدم الاطمئنان بمهارة الشخص المنهي في المجادلة فيصير مفحما عند المخالفين ويوجب ذلك وهن المطالب الحقة في نظر أهل الخلاف .