الشيخ الأنصاري
11
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
ومن هنا يظهر أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها وهو فيها أشد منه في مندوباتها ويختلف باختلافها ضعفا وشدة كالمكروهات ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاته وجهات التجري انتهى كلامه رفع مقامه . ) أقول يرد عليه أولا منع ما ذكره من عدم كون قبح التجري ذاتيا لأن التجري على المولى قبيح ذاتا سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريئا كالظلم بل هو قسم من الظلم فيمتنع عروض الصفة المحسنة له وفي مقابلة الانقياد لله سبحانه فإنه يمتنع أن يعرض له جهة مقبحة . وثانيا أنه لو سلم أنه لا امتناع في أن يعرض له جهة محسنة لكنه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة وليس مما لا يعرض له في نفسه حسن ولا قبح إلا بملاحظة ما يتحقق في ضمنه وبعبارة أخرى لو سلمنا عدم كونه علة تامة للقبح كالظلم فلا شك في كونه مقتضيا له كالكذب وليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها وحينئذ فيتوقف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه كالكذب المتضمن لإنجاء نبي . ومن المعلوم أن ترك قتل المؤمن بوصف أنه مؤمن في المثال الذي ذكره كفعله ليس من الأمور التي تتصف بحسن أو قبح للجهل بكونه قتل مؤمن ولذا اعترف في كلامه بأنه لو قتله كان معذورا . فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقق التجري في ضمنه مما يتصف بحسن أو قبح لم يؤثر في اقتضاء ما يقتضي القبح كما لا يؤثر في اقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره فإنه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد وعدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن . ودعوى أن الفعل الذي يتحقق به التجري وإن لم يتصف في نفسه بحسن ولا قبح لكونه مجهول العنوان لكنه لا يمتنع أن يؤثر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه إلا أن نقول بعدم مدخلية الأمور الخارجية عن القدرة في استحقاق المدح والذم وهو محل نظر بل منع وعليه يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجري مدفوعة مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم