الشيخ الأنصاري

177

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

ويضعف الأول بأن دعوى وجوب العمل بكل ظن في كل مسألة انسد فيها باب العلم وإن لم ينسد في غيرها الظاهر أنه خلاف مذهب الشيعة لا أقل من كونه مخالفا لإجماعاتهم المستفيضة بل المتواترة كما يعلم مما ذكروه في القياس . والثاني بأن إتيان الفعل حذرا من ترتب الضرر على تركه أو تركه حذرا من التضرر بفعله لا يتصور فيه ضرر أصلا لأنه من الاحتياط الذي استقل العقل بحسنه وإن كانت الأمارة مما ورد النهي عن اعتباره نعم متابعة الأمارة المفيدة للظن بذلك الضرر وجعل مؤداها حكم الشارع والالتزام به والتدين به ربما كان ضرره أعظم من الضرر المظنون فإن العقل مستقل بقبحه ووجود المفسدة فيه واستحقاق العقاب عليه لأنه تشريع لكن هذا لا يختص بما علم إلغاؤه بل هو جار في كل ما لم يعلم اعتباره . توضيحه أنا قدمنا لك في تأسيس الأصل في العمل بالمظنة أن كل ظن لم يقم على اعتباره دليل قطعي سواء قام دليل على عدم اعتباره أم لا فالعمل به بمعنى التدين بمؤداه وجعله حكما شرعيا تشريع محرم دل على حرمته الأدلة الأربعة . وأما العمل به بمعنى إتيان ما ظن وجود مثلا أو ترك ما ظن حرمته من دون أن يتشرع بذلك فلا قبح فيه إذا لم يدل دليل من الأصول والقواعد المعتبرة يقينا على خلاف مؤدى هذا الظن بأن يدل على تحريم ما ظن وجوبه أو وجوب ما ظن تحريمه . فإن أراد أن الأمارات التي يقطع بعدم حجيتها كالقياس وشبهه يكون في العمل بها بمعنى التدين بمؤداها وجعله حكما شرعيا ضرر أعظم من الضرر المظنون فلا اختصاص لهذا الضرر بتلك الظنون لأن كل ظن لم يقم على اعتباره دليل قاطع يكون في العمل به بذلك المعنى هذا الضرر العظيم أعني التشريع وإن أراد ثبوت الضرر في العمل بها بمعنى إتيان ما ظن وجوبه حذرا من الوقوع في مضرة ترك الواجب وترك ما ظن حرمته لذلك كما يقتضيه قاعدة دفع الضرر فلا ريب في استقلال العقل وبداهة حكمه بعدم الضرر في ذلك أصلا وإن كان ذلك في الظن القياسي . وحينئذ فالأولى لهذا المجيب أن يبدل دعوى الضرر في العمل بتلك الأمارات المنهي عنها بالخصوص بدعوى أن في نهي الشارع عن الاعتناء بها وترخيصه في مخالفتها مع علمه بأن تركها ربما يفضي إلى ترك الواجب وفعل الحرام مصلحة يتدارك بها الضرر المظنون على تقدير ثبوته في الواقع فتأمل وسيجيء تمام الكلام عند التكلم في الظنون المنهي عنها بالخصوص وبيان كيفية