جلال الدين السيوطي
23
شرح شواهد المغني
يكون صاحبه يقدر على تسهيله وإيضاحه ، فإذا نزلت عن هؤلاء فجرير والفرزدق فهما اللذان فتقا الشعر وعلما الناس وكادا يكونان خاتمي الشعراء . وكان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن ، ولم يكن هجّاء ولا مدّاحا فيرفع ، وليس الشاعر إلا من هجا فوضع أو مدح فرفع ، كالحطيئة والأعشى ، فإنهما كانا يرفعان ويضعان . وقال عمر بن شبّة في طبقات الشعراء : للشعر والشعراء الأول لا توقف عليه . وقد اختلف في ذلك العلماء وادعت القبائل كل قبيلة لشاعرها أنه الأوّل ، ولم يدعوا ذلك لقائل البيتين والثلاثة لأنهم لا يسمون ذلك شعرا . فادّعت اليمانية لامرىء القيس . وبنو أسد لعبيد بن الأبرص . وتغلب لمهلهل ، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر ، وإياد لأبي دواد . قال وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي أقدم من هؤلاء ، وأنه أوّل من قصد القصيد . قال : وهؤلاء النفر المدّعى لهم التقدّم في الشعر متقاربون ، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة بمائة سنة أو نحوها . وقال أبو عمرو : افتتح الشعر بامرىء القيس وختم بذي الرمة . وقال أبو عبيدة ، معمر بن المثنى : الشعراء المتقدّمون ، يعني النوابغ ، منهم : امرؤ القيس بن حجر ، والنابغة زياد بن عمرو ، وزهير ابن أبي سلمى ، والأعشى رابعهم . وأخرج ابن عساكر عن ابن الكلبي قال : أتى قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألوه عن أشعر الناس فقال : ائتوا حسان ، فأتوه . فقال : ذو القروح ، يعني امرأ القيس ، لأنه لم يعقب ولدا ذكرا بل إناثا ، فرجعوا فأخبروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : صدق ، رفيع في الدنيا خامل في الآخرة ، شريف في الدنيا وضيع في الآخرة ، هو قائد الشعراء إلى النار . وفي المؤتلف للآمدي : ان امرأ القيس كان يلقب ذا القروح لأنه لما لبس الحلة المسمومة تقرّح جلده ومات فقيل له ذا القروح . وأخرج ابن عساكر في تاريخه من حديث أبي هريرة مرفوعا : امرؤ القبس قائد الشعراء إلى النار ، لأنه أوّل من أحكم قوافيه . وأصل الحديث في الصحيح بدون آخره بلفظ : حامل لواء الشعراء إلى النار . وقال ابن أبي شيبة في المصنف : حدثنا أبو أسامة عن أبي سراعة عن عبادة بن نسي قال : ذكر الشعراء عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذكروا امرأ القيس ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : مذكور في الدنيا منكور في الآخرة ، حامل لواء الشعراء في جهنم يوم القيامة . قال ابن سلام « 1 » : سبق امرؤ القيس العرب إلى أشياء ابتدعها ، استحسنتها
--> ( 1 ) الطبقات 46 .