جلال الدين السيوطي

16

شرح شواهد المغني

وقال ابن دابر : الفرزدق أشعر عامّة ، وجرير أشعر خاصة . وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن يونس قال : لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب . وقال الجاحظ : كان الفرزدق صاحب نساء وزنى ، وكان لا يحسن بيتا واحدا في صفاتهن واستمالة أهوائهن ولا في صفة عشق وتباريح حب . وجرير ضده في ارادتهنّ ، وخلافه في وصفهن ، أحسن خلق اللّه تشبيبا وأجودهم نسيبا « 1 » . قال أبو عمرو بن العلاء : حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه ، فما رأيت أحسن ثقة باللّه منه . قال : وذلك في أول سنة عشر ومائة ، فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة فاجتمع إليه الناس ، فما أنشدهم ولا وجدوه كما عهدوه . فقلت له في ذلك ، فقال : واللّه أطفأ الفرزدق جمرتي ، وأسال عبرتي ، وقرّب منيتي . ثم رد إلى اليمامة فنعي لنا في رمضان من السنة . وقيل إنهما ماتا سنة احدى عشرة ومائة ، وقيل سنة أربع عشرة ومائة . وأخرج ابن عساكر عن أبي الهيثم الغنوي قال : لما مات الفرزدق بكى جرير ، فقيل له : أتبكي على رجل يهجوك وتهجوه منذ أربعين سنة ؟ قال : إليكم عني ، فو اللّه ما تسابّ رجلان ولا تناطح كبشان ، فمات أحدهما إلا تبعه الآخر عن قريب . فمات بعده بأربعين يوما . وصعصعة جدّ الفرزدق صحابي قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وله رواية ، وكان يحيي الموؤدات . وأخرج ابن مندة وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن مغيرة قال : لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق ، وهو الذي أحيا ألف موؤودة ، وحمل على ألف فرس ، وهو الذي افتخر به الفرزدق فقال : وجدّي الذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم يؤاد وجدّه محمد بن سفيان أحد من سمى محمدا في الجاهلية .

--> ( 1 ) انظر البيان والتبيين 1 / 179 - 180 .