حاج ملا هادي السبزواري
142
شرح المنظومة
--> وإن كان لوجود صورة لآلتها غير تلك الصورة بالعدد فذلك باطل ، أمّا أولا فلأن المغايرة بين أشياء تدخل في حدّ واحد إما لاختلاف الموادّ والأحوال والأعراض ، وإما لاختلاف ما بين الكلّي والجزئي والمجرّد عن المادة والموجود في المادة ، وليس هاهنا اختلاف مواد وأعراض ، فإن المادة واحدة والأعراض لموجودة واحدة ، وليس هاهنا اختلاف التجريد والوجود في المادة فإن كليهما في المادة ، وليس هاهنا اختلاف الخصوص والعموم لأن إحداهما إن استفادت جزئية فإنّما تستفيد الجزئية بسبب المادة الجزئية واللواحق التي تلحقها من جهة المادة التي فيها . وهذا المعنى لا يختصّ بإحداهما دون الأخرى ، ولا يلزم هذا على إدراك النفس ذاتها ، وفإنها تدرك دائما ذاتها وإن كانت قد تدركها في الأغلب مقارنة للأجسام التي هي معها على ما بيّناه . وأنت تعلم أنه لا يجوز أن يكون لوجود صورة أخرى غير صورة آلتها ، فإن هذا أشد استحالة لأن الصورة المعقولة إذا حلّت الجوهر العاقل جعلته عاقلا لما تلك الصورة صورته ، أو لما تلك الصورة مضافة إليه ، فتكون صورة المضاف داخلة في هذه الصورة ، وهذه الصورة المعقولة ليس صورة هذه الآلة ولا صورة شيء مضاف إليها بالذات لأن ذات هذه الآلة جوهر ونحن إنما نجد ونعتبر صورة ذاته ، والجوهر في ذاته غير مضاف البتة . فهذا برهان واضح ، على أنه لا يجوز أن يدرك المدرك بالآلة آلته في الإدراك ، ولهذا فإنّ الحسّ إنما يحسّ شيئا خارجا ولا يحسّ ذاته ولا آلته ولا إحساسه . وكذلك الخيال لا يتخيّل ذاته ولا فعله البتة ، بل إن تخيّل آلته تخيّلها لا على نحو يخصّه وأنها لا محالة له دون غيره ، إلّا أن يكون الحس يورد عليه صورة آلته لو أمكن ، فيكون حينئذ إنما يحكي خيالا مأخوذا من الحس غير مضاف عنده إلى شيء حتى لو لم يكن هو آلته لم يتخيّله » ( الفصل الثاني من المقالة الخامسة من نفس الشفاء - ص 296 بتصحيح الراقم وتعليقه عليه ) . أقول : الغرض من هذا الدليل أن تعقل القوّة العقلية ليس بالآلة الجسدية كما هو عنوان البرهان في النجاة . والشيخ جعل هذا البرهان المذكور في الشفاء فصلا على حدة في النجاة ، وعبارة النجاة تفيد بعض الإيضاحات لما في عبارات الشفاء . وهذا البرهان من غرر البراهين التي حكمت بأن مدرك الصورة العقلية الكلّية - أعني بها النفس الناطقة - جوهر روحاني غير موصوف بصفات الأجسام ، والشيخ وصفه في النجاة بقوله : هذا برهان عظيم . ثم اعلم أن الحجة الثالثة من الفصل الرابع من النمط السابع من الإشارات على تجرّد النفس الناطقة في الحقيقة مستخرجة من البرهان السادس المذكور من الشفاء ، فقال : « زيادة تبصرة : ما كان فعله بالآلة ولم يكن له فعل خاص لم يكن له فعل في الآلة ، ولهذا فإنّ القوى الحساسة لا تدرك آلاتها بوجه لأنّها لا آلات لها إلى آلاتها وإدراكاتها ، ولا فعل لها إلّا بآلاتها ، وليست القوى العقلية كذلك فإنها تعقل كل شيء » . ( ح . ح )