محمد بن أبي بكر الدماميني
102
شرح الدماميني على مغني اللبيب
« كان » فانفصل الضمير ، وهذا بعيد ، بل الظاهر أن « ما » على هذا التقدير مصدريّة . تنبيه - تقع « كما » بعد الجمل كثيرا صفة في المعنى ؛ فتكون نعتا لمصدر أو حالا ، ويحتملهما قوله تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] ، فإن قدّرته نعتا لمصدر فهو إما معمول ل « نعيده » ، أي : نعيد أول خلق إعادة مثل ما بدأناه ، أو ل « نطوي » ، أي : نفعل هذا الفعل العظيم كفعلنا هذا الفعل ؛ وإن قدّرته حالا فذو الحال مفعول نعيده ، أي : نعيده مماثلا للذي بدأنا ، وتقع كلمة « كذلك » أيضا كذلك . فإن قلت : فكيف اجتمعت مع « مثل » في قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [ البقرة : 118 ] ، و « مثل » في المعنى نعت لمصدر قال المحذوف ، أي : كما أن كذلك نعت له ، ولا يتعدّى عامل واحد لمتعلّقين بمعنى واحد ، لا تقول : « ضربت زيدا عمرا » ؛ ولا يكون « مثل » تأكيدا لكذلك ، لأنه أبين منه ، كما لا يكون « زيد » من قولك : « هذا زيد يفعل كذا » توكيدا لهذا لذلك ، ولا خبرا لمحذوف بتقدير : الأمر كذلك ، لما يؤدّي إليه من عدم ارتباط ما بعده بما قبله . قلت : « مثل » بدل من « كذلك » ، أو بيان ، أو نصب ب « يعلمون » ، أي : لا يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى ، ف « مثل » بمنزلتها في « مثلك لا يفعل كذا » أو نصب بقال ، أو الكاف مبتدأ والعائد محذوف ، أي : قاله . وردّ ابن الشجري ذلك على مكي بأن قال : قد استوفى معموله وهو « مثل » ، وليس بشيء ، لأن « مثل » حينئذ مفعول مطلق أو مفعول به ل « يعلمون » والضمير المقدّر مفعول به لقال . والمعنى الرابع : المبادرة ، وذلك إذا تّصلت ب « ما » في نحو : « سلّم كما تدخل » ، و « صلّ كما يدخل الوقت » ، ذكره ابن الخبّاز في النهاية ، وأبو سعيد السيرافي ، وغيرهما ، وهو غريب جدا . والخامس : التوكيد ، وهي الزائدة نحو : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . قال الأكثرون : التقدير : ليس شيء مثله ؛ إذ لو لم تقدّر زائدة صار المعنى : ليس شيء مثل مثله ، فيلزم المحال ، وهو إثبات المثل ، وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل ؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا ، قاله ابن جني ، ولأنهم إذا بالغوا في نفي الفعل عن أحد قالوا : « مثلك لا يفعل كذا » ، ومرادهم إنما هو النفي عن ذاته ، ولكنهم إذا نفوه عمن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه .