الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي
196
هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ( دارالكتاب )
بمشيّة اللَّه بابا في كتب الأخبار كالكافي وله فروع كثيرة مذكورة في تضاعيف أبواب الفقه فذهب جماعة تبعا لابن عبّاس إلى عدم الاعتبار مستدلّين عليه بصدور استثناء المشيّة عن سيّد الأنبياء من قوله لليهود أجيبكم غدا بدون ذكر كلمة إن شاء اللَّه حين سألوه عن أشياء بعد بضع خمسة عشر يوما كما في بعض الرّوايات أو أربعين يوما كما في رواية الفقيه عن الصّادق عليه السّلام على ما في الصّافي وباستثنائه ص الإذخر عن حرمة قطع نبات الحرم وأشجاره بعد سنة حين قال ابن عبّاس بعد سنة الآخر فقال ص إلّا الإذخر وذهب غيرهم إلى خلافه مستدلّين عليه بأنّ المستثنى من توابع المستثنى منه ولواحقه وقضيّة التّبعيّة عدم انفصاله عن المتبوع بحيث يعدّ تابعا له وإلّا فلو انفصل عنه فإن كان له تبعيّة اعتباريّة جعليّة فهو أمر مستقلّ آخر وإلّا يكون لغوا والحقّ هو الثّاني إذ لا ريب في تبعيّة الاستثناء للمستثنى منه والظّاهر أنّ ابن عبّاس لا ينكر ذلك وأنّما يقول ببقاء التّبعيّة مع الفصل الطّويل أيضا وفيه مع أنّه خلاف الوجدان أنّه لا دليل عليه إذ ما استند إليه من الرّواية ليس فيها قول إن شاء اللَّه بعد المدّة الطّويلة ولو سلّم فيدلّ على المطلب لو كان له ظهور في الرّجوع إلى الكلام السّابق عليه بزمان طويل وهو ممنوع لاحتمال أن يكون قوله ص إن شاء اللَّه بعد نزول قوله وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ راجعا إلى الكلام الالتزام بامتثال النّهي المذكور في أخباره فيما بعد عن الأمور المستقبلة نظير أن يقول المولى لعبده لا تشرب الخمر فيقول العبد إن شاء اللَّه يعني لا أشرب الخمر إن شاء اللَّه بل هذا هو الظّاهر بل المتعيّن لأنّ مقتضى الآية الشّريفة من وجوه عديدة استثناء المشيّة في الأمور المستقبلة ومعلوم أنّ قوله ص لليهود أجيبكم غدا قد صار من الأمور الماضية فالقول المذكور خارج عن الآية موضوعا فلا يكون النّبيّ ص بواسطة الآية مكلّفا باستثناء المشيّة من هذا القول المخصوص بل يكون مكلّفا باستثنائها من الأقوال المستقبلة فلا بدّ من إرجاع قوله صلّى اللَّه عليه وآله إن شاء اللَّه إلى امتثال التّكليف في هذه الآية فيما بعد فكأنّه قال لا أقول إنّي فاعل شيء فيما بعد بدون الاستثناء إن شاء اللَّه نعم في بعض الرّوايات الواردة عن الأئمّة ع في تفسير قوله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ما يدلّ على اتّصال كلمة المشيّة بالمستثنى منه السّابق الصّادر عن المتكلّم وارتباطه به أمّا مطلقا كما في رواية الكافي عن الصّادق عليه السّلام حين سئل عن قوله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال ذلك في اليمين إذا قلت واللَّه لا أفعل كذا وكذا فإذا ذكرت أنّك لم تستثن فقل إن شاء اللَّه وروى العيّاشي هذا المضمون في عدّة روايات وإمّا إلى أربعين صباحا كما في رواية العيّاشي عن الصّادق عليه السّلام قال قال أمير المؤمنين عليه السّلام الاستثناء في اليمين متى ما ذكر وإن كان بعد أربعين صباحا ثمّ تلا هذه الآية وإمّا إلى سنة كما في بعض الرّوايات ويمكن الجواب عنها أمّا عن مطلقاتها فتارة بتقييدها بقوله ع واذكر ربّك ما لم ينقطع الكلام وأخرى بحمل ذكر المشيّة فيها على ذكرها لغرض الانقطاع لا لأجل التّقييد بها حقيقة وبهذا الوجه الأخير يجاب عمّا هو صريح في الدّلالة على المطلوب فتأمّل فإنّه لا يخلو عن إشكال وأمّا عدم دلالة رواية الإذخر فلاحتمال إعادة الكلام المستثنى منه ثانيا حين استثناء الإذخر وكيف كان فالّذي استقرّ عليه المذهب ونجزم به هو القول الثّاني فإن قدرنا على الجواب عن الرّوايات فهو وإلّا فنذرها في سنبلها ونرجي فهم معناها حتّى نلقى إمامنا عجّل اللَّه فرجه وجعلنا من أنصاره إن شاء اللَّه ثمّ إنّهم تعدّوا عن الاستثناء إلى سائر التّوابع الكلاميّة بل مطلق التّوابع ولو غير الكلاميّة فاعتبروا الاتّصال بينها وبين متبوعاتها إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المستفاد من التّأمّل في أغلب موارد القواعد أنّ الشّهيد قدِّس سرُّه لم يسلك فيها على ما جرى عليه ديدن العلماء خلفا عن سلف في مقام تأسيس الأصل والقاعدة وتفريع الفروع عليه من جعلهم الأصل المؤسّس طريقا إلى استعلام الحكم في الفروع الخالية عن الدّليل ولذا تراه قدِّس سرُّه في مقام تفريع الفروع يذكر أمورا مسلّمة مدلولا عليها بالدّليل الخاصّ واحدا بعد واحد بحيث كان الأصل الّذي أسّسه مستغنى عنه في كلّ واحد من الفروع وإن شئت فلاحظ ما كتبه قدِّس سرُّه في قاعدتي الحرج والضّرر تجده كما ذكرنا فحينئذ لا بدّ أن يكون غرضه من كون ما جعله أصلا لجملة من الفروع أنّ الفروع الّتي قد علم فيها حكم الشّارع بحكم خاصّ من دليل عامّ أو خاصّ أنّما لاحظ الشّارع فيها ذاك الّذي جعله أصلا وقاعدة ففيما نحن فيه مثلا قد لاحظ الشّارع التّبعيّة الّذي هو ملاك اعتبار الاتّصال بين المستثنى والمستثنى منه الّذي منه تعدّوا إلى سائر التّوابع وراعاها فيما حكم فيه بالموالاة كما في العقود على ما توهّمه الشّهيد ره من قيام الدّليل على اعتبارها فيها بقرينة جريان عادته في هذا الكتاب على تفريع الأمر المعلوم حكمه من غير جهة الأصل الّذي أسّسه عليه بمعنى أنّ منشأ الحكم بالموالاة في العقود على تقدير تسليمه هو لحاظ التّبعيّة وكون القبول تابعا للإيجاب وقد استوفينا الكلام في بطلان ذلك في المسألة المتقدّمة فراجع وكذا منشأ الحكم بفوريّة توبة المرتدّ بعد الاستتابة منه أيضا لحاظ تبعيّة التّوبة للاستتابة على نحو يصحّ أن يقال استتيب فتاب بمعنى أنّه لاحظ تبعيّة الثّاني للأوّل فحكم بفوريّة التّوبة حفظا للتّبعيّة الملحوظة وكذلك لاحظ أيضا دخل تبعيّة المأمومين للإمام قبل الرّكوع في صحّة جمعتهم فحكم بالبطلان عند عدم تحريمهم قبله لفوات التّبعيّة الخاصّة حينئذ الّتي لها دخل في الصّحّة وكذا قد لاحظ في تعريف اللّقطة تبعيّة التّعريف اللّاحق للسّابق بحيث يعدّ الثّاني إعادة وتكرارا للأوّل فحكم بالموالاة حفظا لهذه التّبعيّة وكذلك الكلام في الفروع الآتية فتفطّن ثمّ إنّ وجه أولويّة ما ذكرناه عمّا ذكره المصنف يعلم ممّا نعلّقه على كلماته الصّادرة عنه في مقام التّوجيه قوله ومنه الفوريّة في استتابة المرتدّ أقول يعني من التّوالي فوريّة توبة المرتدّ قوله ومنه السّكوت يعني من التّوالي اعتبار عدم كثرة السّكوت في أثناء فصول الأذان فإن كان كثيرا أبطله وقال متّصلا بذلك وكذا الكلام عند طول الفصل يعني طول الفصل بين فصول الأذان مطلقا ولو كان بغير السّكوت كالتّكلّم بكلام آخر فيكون هذا بعد ذكر السّكوت