الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي
192
هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ( دارالكتاب )
يتعلّق به ويعرض عليه لاستحالة وجود العرض بدون المعروض وأمّا فرعيّة الانفعال للفعل والأوّل غلط محض لا مجال لإرادته إذ لازمه وجوده بعد الإيجاب قهرا وكذا الثّاني أمّا أوّلا فلأنّه ليس أولى من العكس وأمّا ثانيا فلأنّه أجنبيّ عن محلّ الكلام لأنّه في جواز تقديم القبول من حيث الوجود الإنشائي وقضيّة ذلك عدم جوازه من حيث التّأثير وأمّا الثّالث فإن أريد من وجود الإيجاب قبل القبول ليرد عليه القبول وجوده الإنشائي في الخارج فهو عين محلّ النّزاع وإن أريد منه وجوده الإنشائي ولو في الذّهن فهو مسلّم ولكنّه لا يجدي وبالجملة الأفعال من حيث الاحتياج إلى وجود المفعول على أقسام إذ بعضها محتاج إلى خصوص وجوده الخارجي كالأكل والشّرب وبعضها محتاج إلى خصوص وجوده الذّهني مثل الطّلب فإنّ متعلّقه لو كان موجودا في الخارج في ظرف الطلب لزم طلب الحاصل وبعضها يكفي فيه مطلق الوجود والقبول من القسم الثّالث فتدبّر وأمّا الرّابع ففيه أنّ الفعل والانفعال تارة حقيقيّ واقعيّ وأخرى إنشائيّ استعماليّ وترتّب الانفعال على الفعل وتأخّره عنه أنّما هو في الأوّل لا في الثّاني ضرورة صحّة الانفعال الإنشائي وإن لم يكن هناك فعل لا واقعا ولا إنشاء وبالجملة للقبول والمطاوعة أنحاء من الوجود ذهنيّ وواقعيّ خارجيّ وإنشائيّ وهما إنّما يتوقّفان على وجود الإيجاب بوجودهما الواقعي وأمّا بوجودهما الإنشائي فلا لإمكان إنشاء مفهومهما بذكر اللّفظ بقصد تحقّقه به ومحلّ البحث هو الثّاني ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بأنّ الكلام في الأوّل أو قلنا بأنّ الوجود الإنشائي لهما أيضا مترتّب على وجود الإيجاب ومتوقّف عليه فلنا أن نقول أيضا بجواز تقديم القبول في المسألة وذلك لأنّ عدم الجواز على هذا مبنيّ على كون القبول المعتبر في العقد من قبيل الانفعال ومتضمّنا لمعنى المطاوعة وهو ممنوع لأنّ الانفعال عبارة عن التّأثّر كما أنّ الفعل عبارة عن التّأثير وإحداث الأثر ولا ريب أنّ القبول العقدي بأيّ لفظ وقع لا ربط له بمسألة التّأثّر ضرورة أنّ المراد من التّأثر إمّا تأثّر المال بالبيع والنّقل المعبّر عنه بالابتياع والانتقال وأمّا تأثّر نفس القابل وانفعاله بنقل الموجب ماله إليه بعوض ماله فكأنّ الموجب يؤثّر بذلك في القابل وهو يتأثّر به ومن الواضح أنّ التّأثّر باللّحاظ الأوّل غير قابل لأن يؤخذ في مفهوم القبول في المقام وإلّا لزم أن لا ينسب إلى المشتري بل لا بدّ من إضافته إلى المال وكذلك باللّحاظ الثّاني بحيث يكون المراد من قبلت وغيره من ألفاظ القبول تأثّرت وانفعلت فإنّه كما ترى فاسد جدّا وبالجملة ليس المراد من القبول في العقود هو المطاوعة والانفعال بل هو مثل الإيجاب من قبيل الفعل مقابل الانفعال ولذا تراه لا يستعمل بجميع ألفاظه إلّا متعدّيا والتّعدّي مناف لمعنى الانفعال فالقبول فيها وإن كان بلفظه ليس انفعال الإيجاب وإنّما هو عبارة عن صرف الرّضا بالإيجاب وإنشاء الموجب نقل ماله إلى المشتري أصالة ونقل مال المشتري إليه تضمّنا وإن شئت قلت إنّ التّأثير والتّأثر أصالة في مال الموجب وتبعا في مال القابل كلّه مستند إلى الموجب وناش منه والّذي يصدر من القابل هو صرف الرّضا بذاك التّأثير والتّأثّر وهذا المعنى وإن كان يحتاج إلى وجود المرضيّ به ولا يتحقّق بدونه إلّا أنّ هذا المقدار لا يقتضي تأخّره عنه لوضوح كفاية وجوده البعدي وصحّة الرّضا بالأمر المستقبل بقي الكلام في الدّليل الثّالث على هذا القول الأشهر وهو الإجماع على اعتبار التّقدّم وفيه أنّه كيف يمكن دعواه مع كون المسألة ذات أقوال عديدة وعلى فرض التّسليم لا يجدي لقوّة احتمال استناد جماعة منهم إلى الأصل أو مسألة الفرعيّة ومنه يظهر الحال في الإجماع المنقول على فرض حجّيته لو خلي ونفسه مع أنّه لم يصحّ نسبته إلى الخلاف بل في مفتاح الكرامة أنّها وهم قطعا لأنّي تتبّعت كتاب البيع منه وغيره حتّى النّكاح مسألة مسألة فلم أجده ادّعى ذلك انتهى ومن هنا قال المصنّف وليس في هذه المسألة إلّا أنّ البيع مع تقديم الإيجاب متّفق عليه فيؤخذ به ومعلوم أنّ هذا لو لم يدلّ على وجود الخلاف في الصّحّة مع التّأخير لا يدلّ على وجود الاتّفاق على الفساد معه جزما ولو سلّم فلا فائدة فيه أيضا بعد عدوله عنه في نكاح المبسوط وأمّا الشّهرة ففيها ما لا يخفى الاحتمال الثّاني في المسألة عدم اعتبار التّقدّم مطلقا وهو مختار الشّيخ في المبسوط والمحقّق في الشرائع والعلّامة في التحرير والشّهيدين في بعض كتبهما وجماعة ممّن تأخّر عنهما والمدرك فيه أمران الأوّل الإطلاقات السّليمة عن المقيّد لعدم ما يوجب ذلك إلّا بعض ما استدلّ به للاحتمال الأوّل وقد مرّ الكلام في بطلانه والثّاني الرّوايات الواردة في باب النّكاح الدّالّة على جواز تقديم القبول تارة بلفظ المضارع كما في خبر أبان المشتمل على قول الرّجل أتزوّجك على كتاب اللَّه وسنّة رسوله ص وأخرى بصيغة الأمر كما في خبر سهل المشتمل على قوله زوّجنيها يا رسول اللَّه ص وهذا النّحو من الأخبار وإن اختصّ ببعض المطلوب إلّا أنّه يتمّم الاستدلال بأولويّة غير النّكاح منه وبدعوى الجزم بعدم الفرق بين الماضي والمضارع والأمر بل كلّ من قال بجواز التقديم في الأمر قال به في الماضي بخلاف العكس فإنّ بعض من قال بالجواز في الماضي قال بالعدم في الأمر بل هذا أحد الأقوال في المسألة ونتعرّض به إن شاء اللَّه تعالى فتأمّل والاحتمال الثّالث في المسألة هو التّفصيل بين ألفاظ القبول بالقول بالجواز إذا كان بغير لفظ قبلت ورضيت والأمر على إشكال فيه أخيرا والقول بالعدم فيما إذا كان بأحدهما أو بالأمر وهذا مختار المصنّف ودليله عليه أمّا في أوّل شقّي تفصيله هو إطلاق الأدلّة السّالمة عن المعارض وأمّا بالنّسبة إلى ثانيهما على ما يظهر من المتن فأمور ثلاثة الأوّل الإجماع المنقول عن ظاهر التّذكرة والثّاني كون التّقديم خلاف المتعارف فلا يشمله الإطلاقات لانصرافها إلى المتعارف وفيها ما مرّ في مقام بيان بطلان أدلّة القول الأوّل فراجع والثّالث ما ذكره بقوله إنّ القبول الّذي هو أحد ركني عقد المعاوضة فرع الإيجاب فلا يعقل تقدّمه عليه انتهى ويتّجه عليه أنّه إن أراد من الفرعيّة أحد المعاني المتقدّمة سابقا ففيه أنّه قد مرّ تفصيلا أنّ ما يقبل منها أن يكون محلّ الكلام غير ممكن الإرادة وما يمكن إرادته منها وهو فرعيّة الانفعال للفعل خارج عن حريم النّزاع حيث إنّه في جواز تقديم الانفعال والقبول الإنشائيّ وهو ليس فرعا للإيجاب