الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي
174
هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ( دارالكتاب )
ليس إلّا ما كان قبل الكلام لا ترتّب أثر الحرمة بمعنى طروّ الحرمة بسبب الكلام وحدوثه كما في الوجه الأوّل فلا يلزم ما مرّ في الوجه الأوّل بناء على وحدة المورد من محذور الاستحالة كما لا يخفى لكون المراد من الكلام في الجملتين مختلفا هنا كما في الوجه الأوّل على ما هو صريح المتن مع أنّه على تقدير وحدة المراد منه فيهما يلزم التّناقض ولكن لا من الجهة المتقدّمة في الأوّل بل من جهة لزوم كون الشّيء الواحد مقتضيا لحكم وغير مقتض له ثمّ إنّه قد يتوهّم أنّ مقتضى المقابلة بين هذا الوجه والوجه الأوّل أن يكون مقصود المصنّف من اللّفظ في الوجه الأوّل مجرّد الصّوت والنّطق وهذا ممّا لا ينبغي صدوره عن الجاهل فضلا عمّن هو إمام التّحقيق وعلم التّدقيق لكنّه توهّم فاسد نشأ من قلّة التّدبّر من كلامه حيث إنّ مراده في الوجه الثّاني أن يراد من الكلام هو بلحاظ مضمونه الخاصّ في مقابل الكلام الخاصّ الآخر المغاير له في المضمون مع اتّحادهما في إفادة المطلب وفي الأوّل أن يراد به صرف الكلام المفيد للمطلب بأيّ مضمون كان فالفرق بين الكلامين في الوجه الأوّل بمجرّد إفادة التّحريم في أحدهما والتّحليل في الآخر وإن شئت قلت إنّ ما به الامتياز بين الكلامين في الوجه الأوّل صرف جهة إفادة التّحريم في أحدهما وإفادة التّحليل في الآخر مطلقا بأيّ مضمون حصلت تلك الإفادة وما به الاشتراك هو جهة الكلاميّة وأمّا الوجه الثّاني فما به الامتياز بينهما هو جهة اختلاف المضامين وما به الاشتراك هو جهة إفادة المطلب الواحد من الحلّ والحرمة بعد اشتراكهما في جهة الكلاميّة أيضا وبالجملة المراد من الكلام في الأوّل النّوع العالي من جنس الكلام وفي الثّاني نوع ذاك النّوع فالفرق فيهما كالفرق بين الجسم المطلق والجسم النّامي بالقياس إلى الجوهر فلاحظ وتأمّل قوله الثّالث أن يراد بالكلام إلى آخره أقول هذا مع كون موردي التّحليل والتّحريم متّحدين وكون التّحريم وضعيّا بمعنى عدم ترتّب الأثر وبقاء المحلّ على ما كان عليه قبل الكلام من الحرمة مثل الوجه السّابق لا بمعنى ترتّب الحرمة على الكلام كما في الوجه الأوّل لو كان الاختلاف بين الفقرتين بكون المراد من الكلام في إحداهما وجوده وفي الأخرى عدمه وكذا مع اختلاف المورد والمحلّ لو كان المراد منه فيهما هو من حيث الوجود فإن قلت التّفكيك بين الكلامين في مورد الرّواية وهو البيع بالوجود والعدم مع وحدة المراد من الكلام في الفقرتين لا يستقيم إلّا بالإرجاع إلى الفرق بحسب المحلّ وعليه لا مجال لعطفه عليه بأو ضرورة لزوم كون اللّفظ الواحد وهو الإيجاب بلفظ بعت مثلا مؤثّرا وغير مؤثّر محلّلا وغير محلّل وهو تناقض صرف قلت المراد من الكلام المتوارد عليه الوجود تارة والعدم أخرى هو الإيجاب المقيّد بكونه قبل الشّراء أو المقيّد بخصوص كونه بعده لا مطلقا وعلى الأوّل يكون الوجود محرّما والعدم محلّلا وعلى الثّاني بالعكس وأمّا بناء على التّفكيك بحسب المحلّ فالمراد من الكلام في الفقرتين هو وجود صرف الإيجاب والاختلاف إنّما هو باختلاف المحلّ وإن شئت قلت إنّ المراد من الكلام في الفقرة الأولى هو الإيجاب المقيّد بكونه بعد الشّراء وفي الثّانية هو الإيجاب المقيّد بكونه قبله فكم فرق بين الأمرين فإن قلت بناء على الفرق بالوجود والعدم يشكل بأنّه إن أريد من الكلام الإيجاب المقيّد بكونه قبل الشّراء فلا بدّ أن يراد منه في الأوّل عدمه وفي الثّاني وجوده ولا يمكن إرادة العكس لأنّ وجود هذا النّحو من الكلام محرّم لا محلّل فلزم أن يكون عدم الكلام المذكور محلّلا وموجبا للنّقل والانتقال وليس كذلك ضرورة أنّ الحلّية بالمعنى المذكور مستندة إلى وجود الكلام الخاصّ الآخر وهو الإيجاب المقيّد بكونه بعد الشّراء لا إلى عدم الكلام المذكور بل هو محرّم بمعنى عدم ترتّب الأثر وبقاء الشّيء على ما كان عليه قبله وهو الحرمة فيكون كلّ من الوجود والعدم محرّما قلت نسبة المحلّليّة إلى العدم والمحرميّة إلى الوجود بناء على إرادة هذا الشّقّ إنّما هو باعتبار لازمه بحسب بناء المتعاملين وهو وجود الكلام الآخر أعني البيع بعد الشّراء وعدمه إذ على فرض عدم الإيجاب قبل الشّراء يلزم الإيجاب بعده لبنائهما على المبايعة وهو محلّل وعلى فرض وجوده قبله يلزم عدم الإيجاب بعده بحسب بنائهما على تحقّق البيع بذلك فلا يوقعونه ثانيا وعدمه محرّم بمعنى عدم ترتّب الأثر وبالجملة نسبة التّحليل إلى العدم والتّحريم إلى الوجود بناء على هذا الشّق أنّما هو من قبيل إسناد ما ينبغي أن يسند إلى اللّازم إلى الملزوم ومن هنا علم كيفيّة إرادة الوجود والعدم بالنّسبة إلى كلام واحد في روايات المزارعة فإنّ تسمية البذر والبقر محرّم من جهة ملازمتها لعدم شرط آخر من قوله والثّلثان لي وعدمها محلّل فكأنّه هو المحلّل وكذلك الكلام في الوجه الرّابع فإنّ المقاولة تحلّل من جهة سببيّتها لمجيء المحلّل وهو الإيجاب بعد الشّراء والإيجاب قبله يحرّم من جهة سببيّتها لعدمه بعده ثمّ إنّه قد يزاد على شقّي هذا الوجه الثّالث شقّ آخر وهو أن يكون اختلاف تحليل الكلام الواحد المعيّن وتحريمه باعتبار المتعلّق من الأموال والأشخاص كالعقد البيعي المركّب من الإيجاب والقبول مثلا فإنّه يحلّل الثّمن على البائع لإدخاله في ملكه ويحرّمه على المشتري لإخراجه عن ملكه وفي المثمن بالعكس وعلى هذا يكون التّحريم بمعنى ترتّب الأثر ويكون كلّ من الفقرتين ملازمة للأخرى ولعلّه بملاحظة ذلك اقتصر في روايات المزارعة بخصوص قوله إنّما يحرّم الكلام إذ بناء على الملازمة المذكورة يجوز الاكتفاء بذكر أحد طرفي الملازمة عن ذكر الآخر فتفطّن قوله وعلى هذا المعنى ورد قوله ع في عدّة روايات المزارعة إلى آخره أقول بأن يكون تملّك العامل المزارع الثّلثين من حاصل الأرض مقصودا واحدا يؤدّي بمضمونين أحدهما قول المزارع لصاحب الأرض لك ثلث والآخر قول صاحب الأرض للزّارع للبذر ثلث وللبقر ثلث فإنّ المقصود منهما كون الثّلثين للزّارع والثّلث لصاحب الأرض ويؤدّي بهما لكن مفهومهما مختلف فتدبّر قوله لا تحرّم هذه المعاملة إلّا وجودها قبل إلى آخره أقول بالتّقريب الّذي ذكرناه من ملازمته لعدم الإيجاب بعد الشّراء وكذا لا يحرّم إلّا عدمه من جهة ملازمته لوجوده بعده قوله الرّابع أن يراد من الكلام أقول يعني مع اتّحاد الموردين كما صرّح به بعد ذلك بقوله أو المعنى الرّابع وهو إلى آخره فيكون الفرق