السيد أحمد الهاشمي
57
جواهر البلاغة
الصلاة ، وهو لا يصلي : الصلاة واجبة توبيخا على عدم عمله بمقتضى علمه ، وكقولك ، لمن يؤذي أباه : هذا أبوك . 2 - ومنها تنزيل خالي الذّهن منزلة السائل المتردّد ، إذا تقدّم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر كقوله سبحانه وتعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] فمدخول إنّ مؤكد لمضمون ما تقدمه ، لإشعاره بالتردّد فيما تضمنه مدخولها ، وكقوله سبحانه وتعالى : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [ الدخان : 24 ] . لما أمر المولى نوحا أوّلا بصنع الفلك ، ونهاه ثانيا عن مخاطبته بالشفاعة فيهم ، صار مع كونه غير سائل في مقام السائل المتردد « 1 » . هل حكم اللّه عليهم بالإغراق ؟ ؟ فأجيب بقوله : إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ . 3 - ومنها : تنزيل غير المنكر منزلة المنكر : إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار ؛ كقول حجل بن نضلة القيسي « من أولاد عمّ شقيق » . [ السريع ] . جاء شقيق عارضا رمحه * إنّ بني عمّك فيهم رماح فشقيق رجل لا ينكر رماح بني عمه . ولكن مجيئه على صورة المعجب بشجاعته ، واضعا رمحه على فخذيه بالعرض وهو راكب أو حاملا له عرضا على كتفه في جهة العدوّ بدون اكتراثه به ، بمنزلة إنكاره أن لبني عمه رماحا ، ولن يجد منهم مقاوما له كأنهم كلّهم في نظره
--> ( 1 ) . أي فصار الكلام مظنة للتردد والطلب وإن لم يتردد المخاطب ، ولم يطلب بالفعل ، وذلك لأنه تكاد نفس الذكي إذا قدم لها ما يشير إلى جنس الخبر أن تتردد في شخص الخبر ، وتطلبه من حيث إنها تعلم أن الجنس لا يوجد إلا في فرد من أفراده فيكون ناظر إليه بخصوصه كأنه متردد فيه كنظر السائل ، فقوله : ولا تخاطبني ، يشير إلى جنس الخبر وأنه عذاب ، وقوله إنهم مغرقون ، يشير إلى خصوص الخبر الذي أشير إليه ضمنا في قوله ولا تخاطبني ، وكقول الشاعر : [ الوافر ] ترفق أيها المولى عليهم * فإن الرفق بالجاني عتاب فالأصل : أن يورد الخبر هنا خاليا من التوكيد ، لأن المخاطب خالي الذهن من الحكم ، ولكن لما تقدم في الكلام ما يشعر بنوع الحكم أصبح المخاطب متشوقا لمعرفته فنزل منزلة السائل المتردد الطالب ، واستحسن إلقاء الكلام إليه مؤكدا جريا على خلاف مقتضى الظاهر .