السيد أحمد الهاشمي
58
جواهر البلاغة
عزل ، ليس مع أحد منهم رمح . فأكد له الكلام استهزاء به ، خوطب خطاب التفات بعد غيبة تهكما به ، ورميا له بالنزق وخرق الرأي . 4 - ومنها تنزيل المتردد منزلة الخالي ، كقولك للمتردد في قدوم مسافر مع شهرته : فدم الأمير . 5 - ومنها تنزيل المتردد « 1 » منزلة المنكر ، كقولك للسائل المستبعد لحصول الفرج : إن الفرج لقريب . 6 - ومنها تنزيل المنكر منزلة الخالي ، إذا كان لديه دلائل وشواهد لو تأملها لارتدع وزال إنكاره كقوله تعالى : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ البقرة : 163 ] . وكقولك لمن ينكر منفعة لطب : الطّب نافع . 7 - ومنها تنزيل المنكر منزلة المتردد ، كقولك لمن ينكر شرف الأدب إنكارا ضعيفا : « إنّ الجاه بالمال إنّما يصحبك ما صحبك المال ، وأمّا الجاه بالأدب فإنه غير زائل عنك » . الثالث : قد يؤكد الخبر لشرف الحكم وتقويته ، مع أنه ليس فيه تردّد ولا إنكار ، كقولك في افتتاح كلام : إنّ أفضل ما نطق به اللّسان كذا « 2 » .
--> ( 1 ) . وفائدة التنزيل وجوب زيادة التأكيد قوة وضعفا ، لأنه نزل المتردد منزلة المنكر ، فيعطى حكمه حينئذ وهكذا تفهم في عكسه وهو تنزيل المنكر منزلة المتردد في استحسان التوكيد له . واعلم أنه إذا التبس إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بإخراجه على مقتضى الظاهر يحتاج إلى قرينة تعين المقصود أو ترجحه ، فإن لم توجد قرينة صح حمل الكلام على كل من الأمرين ، وذلك كجعل السائل كالخالي ، وجعل المتردد كالمنكر ، فإن وجدت قرينة عمل بها ، والأصح الحكم بأحدهما . ( 2 ) . من مزايا اللغة العربية دقة التصرف في التعبير ، واختلاف الأساليب باختلاف المقاصد والأغراض ، فمن العيب الفاضح عند ذوي المعرفة بها « الاطناب » إذا لم تكن هناك حاجة إليه « والإيجاز والاختصار » حيث تطلب الزيادة ، وقد تخفى دقائق تراكيبها على الخاصة بله العامة ، فقد أشكل أمرها على بعض ذوي الفطنة من نابتة القرن الثالث : إبان زهو اللغة ونضرة شبابها ، يرشدك إلى ذلك ما رواه الثقاة من أن المتفلسف الكندي : ركب إلى أبي العباس المبرد وقال له : إني لأجد في كلام العرب حشوا ، فقال أبو العباس في أي موضع وجدت