السيد أحمد الهاشمي

38

جواهر البلاغة

وينبغي للمتكلم : أن يعرف أقدار المعاني ؛ ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين ، وبين أقدار الحالات ؛ فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ، ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات . وبعد ، فأنت ترى فيما قالوه : أن حد البلاغة - هو أن تجعل لكل مقام مقالا ؛ فتوجز : حيث يحسن الإيجاز ، وتطنب : حيث يجمل الإطناب ، وتؤكد : في موضع التوكيد ، وتقدم أو تؤخر ، إذا رأيت ذلك أنسب لقولك وأوفى بعرضك ، وتخاطب الذكي بغير ما تخاطب به الغبي ، وتجعل لكل حال ما يناسبها من القول ، في عبارة فصيحة ، ومعنى مختار . ومن هنا عرّف العلماء البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحة عباراته . واعلم : أن الفرق بين الفصاحة والبلاغة : أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني ؛ وأن الفصاحة تكون وصفا للكلمة والكلام ، والبلاغة لا تكون وصفا للكلمة ، بل تكون للكلام ؛ وأن فصاحة الكلام شرط في بلاغته . فكل كلام بليغ فصيح ، وليس كل فصيح بليغا ، كالذي يقع فيه الإسهاب حين يجب الإيجاز .